277

0

غرة محرم 1448.. الجزائريون يستقبلون السنة الهجرية الجديدة بين روحانية المساجد واستحضار التقاليد العائلية

بواسطة: بركة نيوز

 

مريم بعيش 

 

استقبل الجزائريون، اليوم الثلاثاء 16 جوان 2026، غرة شهر محرم 1448 هجري وبداية سنة هجرية جديدة، بعد أن أعلنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف أن يوم الثلاثاء يوافق الفاتح من محرم، فيما سيكون يوم عاشوراء موافقاً ليوم الخميس 25 جوان 2026. 

كما جددت الوزارة دعوتها للمواطنين إلى إحياء سنة جمع الزكاة وتوزيعها عبر الحسابات البريدية التابعة للديوان الوطني للأوقاف والزكاة، بما يضمن إيصالها إلى مستحقيها وفق المصارف الشرعية ويعزز قيم التضامن والتكافل الاجتماعي.

 

ومع إشراقة أول أيام السنة الهجرية الجديدة، تتجدد في الجزائر مشاهد روحانية واجتماعية مميزة، حيث يستحضر الجزائريون ذكرى الهجرة النبوية الشريفة وما تحمله من معانٍ سامية في الصبر والتضحية والثبات على المبادئ، لتتحول المناسبة إلى فرصة للتأمل والدعاء واستقبال عام جديد بالأمل والتفاؤل.

 

وفي مختلف مساجد الوطن، يحرص المصلون على حضور حلقات الذكر والدروس الدينية التي تتناول أحداث الهجرة النبوية ودروسها، فيما تتعالى آيات القرآن الكريم والأدعية التي تملأ الأجواء بخشوع خاص يميز هذه المناسبة المباركة.

 

وبعيداً عن أجواء المساجد، تنبض البيوت الجزائرية بحركة استثنائية منذ الأيام التي تسبق الفاتح من محرم، حيث تنشغل ربات البيوت بتحضير أطباق تقليدية ارتبطت بهذه المناسبة جيلاً بعد جيل. وتختلف العادات من منطقة إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك بينها يبقى الحرص على جمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة تعبيراً عن المحبة وصلة الرحم واستقبال السنة الجديدة في أجواء من الألفة والتسامح.

 

ففي العديد من ولايات الشرق الجزائري وبعض مناطق الجنوب، تتصدر الشخشوخة موائد الاحتفال، وهي من الأطباق التقليدية العريقة التي لا تكاد تغيب عن المناسبات الدينية والعائلية الكبرى. أما في غرب البلاد وجنوبها، فيظل الكسكسي سيد المائدة بلا منازع، باعتباره رمزاً للأصالة والكرم الجزائري.

 

وفي العاصمة وضواحيها، تفضل العديد من العائلات إعداد طبق الرشتة الذي يعد من أشهر الأطباق التقليدية المرتبطة بالمناسبات الدينية، فيما تختار عائلات أخرى تحضير الكسكسي احتفاءً بالمناسبة، لتجتمع الروائح الزكية المنبعثة من المطابخ مع دفء اللقاءات العائلية التي تميز هذا اليوم.

 

كما تحرص بعض الأسر الجزائرية على الاحتفاظ بجزء من لحم أضحية عيد الأضحى خصيصاً للفاتح من محرم، في عادة متوارثة ترمز إلى البركة واستمرار أفراح المناسبات الدينية، حيث يُطهى اللحم ضمن الأطباق التقليدية التي تجمع أفراد العائلة حول مائدة عامرة.

 

وخلال السنوات الأخيرة، استعادت مناسبة رأس السنة الهجرية حضورها بشكل أكبر في الفضاء الرقمي، حيث ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في التذكير بها ونشر ثقافتها بين مختلف الفئات، فتمتلئ الصفحات والمنصات الإلكترونية بصور التهاني وبطاقات التبريك والمقالات والمنشورات التي تتناول معاني الهجرة النبوية وأهمية التقويم الهجري، لتتحول المناسبة إلى حدث يتداوله الجزائريون على نطاق واسع داخل الفضاء الافتراضي كما في الواقع.

 

كما يحرص الأولياء على اغتنام هذه المناسبة لتعريف أبنائهم بتاريخ الهجرة النبوية الشريفة ودلالات السنة الهجرية، في محاولة لغرس القيم الدينية والهوية الثقافية في نفوس الأطفال، الذين يشاركون بدورهم أجواء الاحتفال العائلي ويتعرفون على العادات والتقاليد المرتبطة بهذه المناسبة.

 

وبين خشوع المساجد، وعبق الأطباق التقليدية، ورسائل التهاني المتبادلة بين الأقارب والأصدقاء، يظل الفاتح من محرم في الجزائر أكثر من مجرد بداية لتقويم جديد، فهو موعد متجدد تتجسد فيه معاني التضامن والتسامح وصلة الرحم، وتلتقي فيه الروحانية بالموروث الثقافي الأصيل، إيذاناً بعام هجري جديد يحمل في طياته الأمنيات بالخير والبركة والسلام.

"مواطنون لبركة نيوز: "هكذا نستقبل الفاتح من محرم"

وخلال استطلاع لبركة نيوز، أجمع عدد من المواطنين على أن الفاتح من محرم يمثل مناسبة دينية واجتماعية بامتياز، تتجدد فيها قيم التضامن وصلة الرحم، وتُستحضر خلالها العادات الجزائرية الأصيلة التي توارثتها الأجيال.

البداية كانت مع خديجة، ربة بيت قالت: "بالنسبة لنا، الفاتح من محرم مناسبة دينية مهمة نستقبلها بالدعاء ولمّة العائلة. 

منذ أيام وأنا أحضر طبق الرشتة الذي اعتدنا تناوله في هذا اليوم، كما نجتمع مع الأبناء والأحفاد ونتبادل التهاني متمنين أن تكون السنة الهجرية الجديدة سنة خير وبركة."

 

ومن جهته عبد القادر، متقاعد من الحراش شاركنا مايعرفه حول أول شهور السنة الهجرية: "أعرف أن شهر محرم هو أول أشهر السنة الهجرية ويرتبط بذكرى الهجرة النبوية الشريفة. 

في السابق كنا نتعرف على هذه المناسبة من المساجد ومن كبار السن، أما اليوم فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تذكرنا بها من خلال المنشورات والبطاقات الإلكترونية التي يتبادلها الناس."

كذلك سميرة أم لثلاثة أطفال تحدثت لبركة نيوز حول ذات الموضوع موضحة: "أحرص كل سنة على استغلال هذه المناسبة لتعريف أبنائي بالتقويم الهجري وقصة الهجرة النبوية. الأطفال اليوم يتابعون الكثير من المحتويات على الإنترنت، لذلك أحاول أن أجعلهم يعيشون أجواء المناسبة داخل البيت من خلال الحديث عنها وإشراكهم في التحضيرات العائلية.

 

أما يوسف الطالب جامعي شاركنا رأيه كالآتي: "أصبحت ألاحظ في السنوات الأخيرة اهتماماً أكبر بهذه المناسبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المقالات والصور التذكيرية والأحاديث حول الهجرة النبوية، وهذا ساهم في تعريف الشباب أكثر بأهمية رأس السنة الهجرية."

 

 

الشيخ عبد البر بن قرع: "الهجرة النبوية مشروع بناء أمة وتجديد للإنسان قبل المكان"

أكد الشيخ عبد البر بن قرع، إمام معتمد ونائب رئيس المجلس العلمي بمديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية النعامة، أن دخول العام الهجري الجديد يمثل محطة إيمانية مهمة لمراجعة النفس واستحضار الدروس العظيمة للهجرة النبوية الشريفة، مشيراً إلى أن هذه المناسبة لا ينبغي أن تُستقبل بالأرقام والتواريخ فقط، بل بالأعمال الصالحة والتقوى ومحاسبة الذات.

 

واستهل الشيخ حديثه بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾، موضحاً أن تعاقب السنين هو تذكير إلهي للإنسان بأن العمر يمضي وأن الصحائف تُطوى، ما يفرض عليه الوقوف مع نفسه وقفات صادقة قبل فوات الأوان.

 

وأضاف أن مرور عام هجري جديد يعني أن عاماً من أعمار الإنسان قد انقضى بسعاته وأيامه، وأن عاماً آخر قد فُتح سجله، وهو ما يستدعي ـ حسب تعبيره ـ محاسبة دقيقة للنفس بين ما مضى وما هو آتٍ، وبين ما تحقق من طاعات وما فات من تقصير.

 

الوقفة الأولى: لماذا الهجرة؟

 

وفي شرحه لمعاني الهجرة النبوية، تساءل الشيخ: لماذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم؟ موضحاً أن الهجرة لم تكن هروباً من بطش قريش ولا سعياً وراء دنيا أو ملك، بل كانت انتقالاً من مرحلة بناء الإيمان في النفوس إلى مرحلة إقامة مجتمع ودولة تحفظ العقيدة وتطبقها.

 

وبيّن أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يرسخ عقيدة التوحيد، في مجتمع قبلي مغلق واقتصاد ربوي وسلطة لا تقبل التغيير، مشيراً إلى أن الرسالة لم تكن مجرد كلمات، بل مشروع تغيير شامل.

 

واستحضر الشيخ موقف عرض قريش على النبي المال والملك والجاه مقابل ترك الدعوة، إلا أنه رفض قائلاً: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته"، معتبراً ذلك دليلاً على ثبات المبدأ ووضوح الرسالة.

 

وأكد أن الهجرة كانت هجرة عقيدة وبناء أمة، وأنها أفضت بإذن الله إلى تأسيس مجتمع جديد قائم على التوحيد والعدل والحرية من عبودية المال والقبيلة.

 

الوقفة الثانية: محاسبة النفس في العام المنقضي

 

وفي حديثه عن استقبال العام الجديد، دعا الشيخ إلى محاسبة النفس، متسائلاً: ما هي الهجرة التي حققها المسلم خلال عامه المنصرم؟

 

وأشار إلى أن كثيراً من الناس تمر عليهم الأيام دون مراجعة حقيقية، مشغولين بالدنيا وهموم المعيشة ومتابعة الشاشات، داعياً إلى استثمار العمر فيما يرفع الدرجات عند الله.

 

وأكد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أشد الناس محاسبة لأنفسهم، مستشهداً بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا"، داعياً إلى تحويل هذه المناسبة إلى وقفة مراجعة حقيقية.

 

وطرح أسئلة مباشرة: هل هاجر المسلم من المعصية إلى الطاعة؟ من الكسل إلى الجد؟ من القطيعة إلى صلة الرحم؟ أم بقي على حاله دون تغيير؟

 

الوقفة الثالثة: التاريخ الهجري هوية وشعيرة

 

وفي جانب الهوية، شدد الشيخ على أن التاريخ الهجري ليس مجرد أرقام، بل هو جزء من الهوية الإسلامية وشعيرة مرتبطة بالعبادات، كالصيام والحج والزكاة.

 

وأوضح أن الصحابة اعتمدوا الهجرة بداية للتقويم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما لها من رمزية في تاريخ الأمة، كما أن اختيار شهر محرم كان لارتباطه بالعزيمة على الهجرة.

 

واستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد أن الأشهر القمرية مواقيت للعبادات، محذراً من التفريط في هذا الجانب واستبداله بغيره لما في ذلك من إضعاف للهوية الدينية والثقافية.

 

ودعا إلى غرس هذا الوعي في نفوس الأبناء، وتعليمهم أسماء الشهور الهجرية وربطهم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

الوقفة الرابعة: من الغار إلى الدولة

 

وتوقف الشيخ عند نموذج الهجرة النبوية في التخطيط وبناء الدولة، موضحاً أنها لم تكن حدثاً عشوائياً، بل مشروعاً متكاملاً سبقته تربية وإعداد دقيق.

 

وأشار إلى مواقف بارزة مثل بقاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، ودور أبي بكر الصديق ورفاقه في رحلة الهجرة، مؤكداً أن هذه المرحلة جسدت أسمى معاني الوفاء والتضحية والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.

 

ولفت إلى أن أول ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة كان بناء المسجد، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم وضع وثيقة المدينة، وهي أول دستور ينظم العلاقات داخل المجتمع.

 

وصايا في استقبال العام الجديد

 

وفي ختام حديثه، أوصى الشيخ بضرورة استقبال العام الهجري الجديد بالتوبة الصادقة، ومحاسبة النفس، والعزم على التغيير الحقيقي.

 

كما دعا إلى أن تكون السنة الجديدة سنة هجرة فعلية من الذنوب إلى الطاعات، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن التفرق إلى الوحدة، مؤكداً أن الهجرة النبوية علمت الأمة أن النجاح يقوم على الجمع بين الإيمان والعمل والتوكل، وختم بالدعاء بأن يجعل الله السنة الهجرية الجديدة سنة خير وبركة على الجزائر والأمة الإسلامية جمعاء.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services