326
0
الثوب الفلسطيني .. ذاكرة حية تقاوم النسيان بخيوط التطريز

نسرين بوزيان
في فلسطين لا تحاك الأثواب بالخيوط والإبر فحسب بل تنسج معها حكايات الأرض والإنسان والذاكرة؛ كل غرزة مطرزة على قماش عتيق تحمل في تفاصيلها ملامح تاريخية ورمزية متجذرة.
ويعد الثوب الفلسطيني من أبرز الرموز الثقافية القادرة على الصمود في وجه محاولات المحو والنسيان، لما يعكسه من اختزال لتاريخ الجماعي الممتد لشعب بأكمله ، ورغم ما تعرضت له الأرض من تقسيم واحتلال وتهجير، ظل هذا الثوب شاهدا ماديا ومعنويا على استمرارية الوجود وجسرا يربط الفلسطينيين داخل الوطن وفي الشتات؛ إذ تعكس هذه الأثواب خصوصية كل منطقة جغرافية بدقة عالية في تفاصيلها وزخارفها، ما يتيح التعرف إلى أصل المرأة من خلال قراءة رموز الثوب وأنماط تطريز.
لكل مدينة حكاية وثوب
وفي هذا السياق، أوضحت الفلسطينية كفاية دويكات في حديثها لـ"بركة نيوز" أن هذا العالم الرمزي الغني وما يميز الأثواب من اختلافات بين منطقة وأخرى لم يكن مرتبطا بالذوق الجمالي الفردي فقط، بل هو نتاج عوامل جغرافية واجتماعية وثقافية متداخلة أسهمت في تشكيل هوية كل مدينة ومنطقة ومنحتها طابعها الخاص، مشيرة إلى أن لكل منطقة خصائصها في التصميم والزخرفة والألوان، بما يجعل الثوب يعكس ملامح الهوية المحلية وتفاصيل الحياة اليومية.
كما تطرقت دويكات إلى أبرز أنواع الألبسة التقليدية الفلسطينية والفروقات الدقيقة التي تميز كل منطقة من حيث التطريز والرموز والدلالات.
ثوب الجنة والنار

ضمن هذا التنوع اللافت الذي يعكس ثراء الأزياء التراثية في فلسطين وتعدد دلالاتها الرمزية، يبرز ثوب "الجنة والنار" كأحد أميز الأثواب التقليدية في قطاع غزة ، ويكتسب الثوب في غزة طابعا خاصا من حيث الألوان والزخارف؛ إذ تميز بالإشراق والجرأة حيث حضرت فيه ألوان الأحمر والبرتقالي والأزرق، بما يعكس طبيعة المجتمع الساحلي المنفتح وحيويته الاقتصادية، كما زينت أثوابه بمساحات واسعة من الزخارف الهندسية التي تعبر عن الطاقة والانطلاق، وتتحول رموزه عند تطريز إلى دلالات ترتبط بالثبات والصمود.
وتعود تسمية ثوب "الجنة والنار" إلى قماشه المقلم المحاك محليا حيث يتداخل فيه خط طولي أخضر زاهي يرمز إلى الجنة، مع خط موازي أرجواني أو أحمر برتقالي يرمز إلى النار، وامتدادا لهذا التنوع داخل النسيج التراثي الفلسطيني، يندرج ثوب "التفصيلة الفلاحي" الذي يعود أصله إلى مدينة المجدل العسقلانية، التي كانت تعد مركزا رئيسيا لصناعة النسيج وحياكة القطن في فلسطين حيث كانت تمد القرى والمدن بالأقمشة حتى عام 1948، ما يجعل هذا الثوب جزءا من إرث حرفي ممتد عبر الزمن.
من ثوب صيفي إلى زي للأعراس

وعلى غرار الخصوصية الساحلية لقطاع غزة، يبرز الثوب اليافاوي بوصفه امتدادا لبيئة يافا البحرية والزراعية حيث عرفت المدينة أثوابها التي تعكس ألوان البحر وبساتين البرتقال ، ولم يكن الثوب اليافاوي مجرد لباس بل كان انعكاسا لهوية المدينة إذ يتميز بألوان هادئة ومشرقة مثل الأبيض الناصع والأزرق الفاتح مع خطوط طولية رشيقة وزخارف نباتية دقيقة، فيما زاد تطريز منطقة الصدر كثافة ليجسد عروق الأشجار وأوراق البرتقال والورود.
كما ارتبطت هذه الأثواب بعادات اجتماعية خاصة حيث كان ثوب العروس الأبيض يستخدم في الأصل كثوب صيفي لخفته، قبل أن يتحول إلى زي رسمي للزفاف، بينما كان ثوب الحناء يرتدى شتاء لسماكته وعمق ألوانه قبل أن يتحول إلى جزء من طقوس الأعراس اليافاوية.
وقار العائلات العريقة

ومع الانتقال من الساحل والمدينة نحو المرتفعات الجبلية، يتغير المشهد في الخليل ليبرز الثوب الخليلي بوصفه انعكاسا لطبيعة المدينة الجبلية المحافظة وملامحها الاجتماعية العريقة حيث استوحي الثوب الخليلي من طابع المدينة الرصين، إذ يغلب عليه اللون الأسود الفخم المتداخل مع التطريز الأحمر الرماني الداكن في مزيج يعكس الوقار والمكانة الاجتماعية الرفيعة، وتزين الأكمام الواسعة بزخارف هندسية مائلة ومثلثات متناسقة، فيما تبرز في قرى القضاء وتحديدا بيت جبرين ما يعرف بـ" الجلابة الجبرينية" التي اشتهرت بفن الترقيع على الأكمام و الأجزاء الأمامية، ما منحها بعدا فريدا جعلها من أبرز الأثواب تميزا.
بساطة الريف ورقي المدينة

وإذا كانت جبال الجنوب تتميز بفخامة التطريز كما هو الحال أيضا في الأثواب الاحتفالية الشهيرة لمدينة بيت لحم، فإن المشهد يتجه شمالا نحو الجليل وحيفا ليأخذ الثوب الفلسطيني منحى أكثر بساطة وارتباطا بالحياة اليومية مع اختلاف واضح بين طابع الريف الجليلي وانفتاح المدينة الساحلية.
إذ اتسم ثوب الجليل بطابعه العملي الملائم للمرأة الريفية وحركتها الدؤوبة في الحقول، معتمداً على الألوان الداكنة كالأزرق النيلي والأخضر الزيتوني التي ترتبط بالأرض والزرع ، وكان يصنع من الكتان الكحلي السميك وترتدي المرأة تحته سروالا مطرزا يظهر من الأسفل، بما يجمع بين الاحتشام والراحة أثناء العمل.
أما في مدينة حيفا الساحلية قد تأثر الثوب بالانفتاح التجاري والتبادل الحضاري حيث اعتمدت النساء على الأقمشة الحريرية والستان المستوردة، ما خفف من كثافة التطريز لصالح إبراز جودة القماش وأناقة الخامة، ليغدو ثوب العروس الحيفاوية أكثر رقة وبساطة مقارنة بالمناطق الجبلية.
زخارف الحماية من الحسد

وفي وسط الضفة الغربية، يتجلى تباين آخر يجمع بين بساطة الريف ورقي المدينة في نابلس حيث يبرز الثوب النابلسي بوصفه انعكاسا لازدهار الحياة المدنية وروح التجارة الشامية، وقد تأثر الثوب بشكل واضح بالموضة الشامية التقليدية نتيجة قوافل التجارة المستمرة بين نابلس ودمشق، لذلك كانت المرأة النابلسية ترتدي فوق ثوبها عباءة واسعة وتغطي وجهها عند الخروج إلى الأسواق، ويتميز الثوب بخيوط الكتان والحرير بألوان حمراء وخضراء زاهية مع الشال الحريري والربطة الخضراء.
كما يعرف ريف نابلس بـ"الثوب الشروقي" الذي يعتمد على تثبيت قطع قماشية هندسية مربعة ومثلثة من الستان الملون المحبوك بالتطريز الكثيف، فيما تزين منطقة الصدر وحدات مثلثية تعرف بـ"الحجابات" وترمز في المعتقد الشعبي إلى الحماية من العين والحسد.
مظهر الفخامة والوجاهة الاجتماعية

وإذا كان ثوب أريحا في الأغوار المجاورة قد تشكل بطياته الطويلة ليكون درعا في مواجهة الطبيعة الصحراوية والمناخية القاسية، فإن الانتقال غربا نحو الحواضر المدنية في السهل الساحلي ينقلنا من غاية الحماية المناخية إلى مظهر الفخامة والوجاهة الاجتماعية ، وهو ما يتجلى بوضوح في أثواب اللد والرملة حيث صنع هذا الزي الأصيل من مزيج قطني ومخملي حريري خاص، يجمع هذا النسيج الفاخر والنادر بين خيوط الحرير الخالص والقطن المتين.
ويتسم الثوب بتداخل الألوان على جانبيه فضلا عن كثافة التطريز التي تغطي الصدر والردان والأكمام؛ إذ توظف غرزتا "التهشاية" و" الرشيق" لملء الفراغات الهندسية في النسيج ، كما تلحق بمنطقتي الكتفين وأعلى الصدر قطع قماشية إضافية مثلثية الشكل تعرف محليا باسم "التشاريف" وتمتد لتصل إلى الجزء العلوي من الظهر ويكتمل هذا الزي التراثي بحزام مطرز يحاكي الزخارف ذاتها، يرافقه شال طويل عاجي اللون تتوسطه رقعة مطرزة بالأنماط والقطبات المقابلة للثوب الأساسي.
أثواب الريف الفلسطيني

وبالانتقال نحو السهول الشمالية الممتدة تتراجع المظاهر المخملية لتفسح المجال لأثواب ارتبطت كليا بالأرض والنشاط الزراعي في جنين وطوباس وطولكرم حيث تحولت الأزياء إلى مرآة للمواسم الزراعية، لتبرز سهول مرج ابن عامر بوصفها نموذجا لهذا الارتباط الوثيق بين الإنسان والأرض.
وقد اتخذت هذه الأثواب طابعا عمليا يتماشى مع طبيعة النشاط الفلاحي المتواصل إذ اشتهر ثوب جنين بلونه الأبيض وخطوطه الطولية متعددة الألوان ، ويصنع الثوب شتاء من الأقمشة الثقيلة كالمخمل الداكن لتوفير الدفء، بينما يعتمد صيفا على القطن والكتان لخفة وزنها وملاءمتها لدرجات الحرارة المرتفعة، كما عرفت فتيات المدينة بأثواب مزركشة مزينة برسومات الأزهار المطبوعة مباشرة على القماش.
بين الزخرفة والهوية البدوية

وبين الريف والحقل تمتد خيوط الثوب الفلسطيني نحو الصحراء لتستقر في بئر السبع حيث تتحول الزخرفة إلى لغة بدوية تعكس قسوة المكان وعمقه الرمزي ، ويجسد ثوب بئر السبع الأصيل ملامح جغرافيا صحراء النقب، إذ يتميز بزخارف كثيفة وتطريزات هندسية نجمية تعكس الطابع البدوي وخصوصية البيئة الصحراوية القاسية، ويغلب اللون الأحمر القاني على تطريز ثوب العروس الشابة فيما يستخدم الأزرق القاتم لدى الأرامل بما يحمله من دلالات الوقار والحزن.
أما النساء الأكبر سنا يرتدين أثوابا يغلب عليها التطريز الأزرق الهادئ، بينما يمتزج هذا اللون عند الزواج مرة ثانية بألوان زاهية كالأحمر والزهري، بما يعكس تدرجا لونيا يحمل دلالات اجتماعية راسخة داخل النسيج الثقافي المحلي.
ويكتمل هذا المشهد بـ"البرقع البدوي"، وهو غطاء للوجه مرصع بقطع نقدية ذهبية وفضية لامعة، يجمع بين البعد الجمالي والوظيفة العملية، إذ يعكس الوجاهة من جهة، ويوفر حماية للمرأة من لهيب الشمس والعواصف الرملية المتكررة في فضاء النقب من جهة أخرى.
دلالات الألوان في الثوب الفلسطيني
غير أن هذا التنوع الجغرافي للأثواب يكتسب بعدا رمزيا أوسع من خلال القراءة الاجتماعية للثوب الفلسطيني ويتجاوز حدود الزخرفة؛ إذ تشير دويكات إلى أن الألوان تحمل دلالات اجتماعية دقيقة حيث تميل الفتاة العزباء إلى الألوان الزاهية والمشرقة التي تعكس الحيوية والشباب، مثل البرتقالي والأصفر والأحمر الفاتح والوردي والبنفسجي، مع زنار خاص مزين بسبع صدفات حوضية ارتبطت في المعتقد الشعبي بالحماية وجلب البركة والفأل الحسن.
أما المرأة المتزوجة، فتتجه ألوان ثوبها نحو درجات أكثر وقارا ورصانة مثل الأحمر القاني الداكن أو الأزرق العميق مع اتساع مساحة التطريز وكثافته، في حين تعبر المرأة الأرملة عن حالة الفقد والحداد بأثواب يغلب عليها اللون الأسود أو الكحلي الداكن المطرّز بخيوط قاتمة، فيما يقابل ذلك الإقدام على الزواج مرة ثانية بارتداء الأزهار الحمراء والوردية على جانبي الثوب والبنايق.
يبقى الثوب الفلسطيني سجلا حيا للأرض وذاكرتها تحمله النساء أينما ارتحلن، بوصفه وثيقة رمزية تختزل الجذور وتؤرخ للهوية عبر خيوط التطريز وألوان الانتماء، ليظل شاهدا حيا على ذاكرة ممتدة ويثبت في كل محفل أن الأرض قد تسلب ولكن الهوية المنسوجة في وجدان شعبها لا تقهر ولا تنسى.

