25

0

رمضان .. و الإيحاء بروح التضامن الاجتماعي

 

 

بقلم : د. إبراهيم نويري ــ كاتب وباحث أكاديمي

الحياة التي نحياها مُترعة بالابتلاءات و النقائص و الهِنات ، فهي لا تخلو من تقصير في حق إخوة الدين والعقيدة و مَن تربطنا بهم صيرورة الحياة و وشائج القربى و المواطنة ، كما أنها لا تخلو أيضا من اختلافات قد يكون لها أثرٌ عميق في الروابط و الأواصر التي تجمع بين أبناء الأمة الواحدة و المجتمع المفرد .

و هذا يقع على الدوام في واقع البشر ، بل هو من صميم تركيبة الناس التي فَطرَهم الله عليها ؛ بيد أنّ لله نفحاتٍ و مواسمَ مباركة منيرة ما أن تهلّ على دنيا المسلمين حتى تنشرح الأرواحُ و ترقّ النفوسُ ، و في طليعة تلك المواسم المباركة شهر رمضان . لذلك نشهد سعي الناس ـــ في هذا الموسم ـــ إلى الاستدراك على ما ارتكبوه من هِنات و نقائص و تقصير ، و ذلك بأعمال خيّرة نافعة تُدخل المسرّة على الأرواح و النفوس و الأفئدة .

و في هذا الشهر الفضيل المبارك ، شهر القرآن و المسارعة بالخيرات ، و الإقبال على القربات و الأعمال الصالحة ، لا بدّ للإنسان المسلم أن يتذكّر إخوة الدين  و العقيدة و المصير ، و أن يسعى بما آتاه الله تعالى من قدرات و ما زوّده من مواهب ، من أجل نفعهم و تقريب ثمرات العون إليهم ؛ لأن الوقوف بالصوم عند حدود المعاني البسيطة التي يعرفها الدهماء و الرعاع من عوام الناس ، مثل الامتناع عن الأكل و الشرب و غيرهما من ضروب الشهوات و الضرورات ، ليس فقهاً صحيحاً و لا تبجيلاً يليق بمقام و منزلة هذا الشهر المبارك .

 

شهر له إيحاء و تميّز :

يُجمع المسلمون في مشارق الأرض و مغاربها على جملة الخِلال و الشمائل اللطيفة التي لا يمكن الشعور بألقها و أريجها سوى في شهر رمضان ، فهو موسم أودع الله فيه القِدْحَ المُعلّى من الأسرار و الضوامر واللطائف المُبهِجة .

يقول فضيلة الشيخ الإمام محمود شلتوت رحمه الله تعالى : " لكلّ شيء في هذه  الحياة إيحاءٌ ، فلأسماء الأشخاص إيحاءٌ ، و لأسماء الأمكنة إيحاءٌ ، و لأسماء الأزمنة إيحاءٌ ، و ما من مرئي يقع عليه البصر أو مسموع يتصل بالسمع إلاّ و له إيحاءٌ . و لعلّ أقوى ما يربط الإنسان بماضيه و ينير له طريق مستقبله و يركّزه في حاضره على أسس قوية و سبل بيّنة تكشف له سنن الخير ، و تُبعده عن سنن الشر ، هو ما يتلقاه من هذه الإيحاءات .. و رمضان لم يكن إلاّ اسما زمنياً لشهر معروف في السَّنة القمرية ، يقع بين شعبان و شوال ، و لكن له عند المسلمين إيحاءٌ تهتزّ له قلوبهم و تنشرح به صدورهم و تسمو به أرواحهم .. "(1) .

بيد أنّ علاقة المسلم بهذا الشهر الكريم ، لا ينبغي أن تتوقف عند هذه التخوم ، بل لا بدّ من رسم برنامج عمل متوازن دقيق يعمّق الفهم ، و يستثمر المناسبة الزمنية بأفضل جهد يمكن أن تفرزه الإرادة الإنسانية الكامنة في إهاب روح الإنسان المسلم ، و من ثمّة فإن مَنْ يفقهون رمضان و يُدركون خواصه التي تنطوي عليها أيامُه و ساعاتُه و لحظاتُه الزمنية فإنّ كلمة رمضان " توحي إليهم برحلة إلهية ميقاتها الشهر كله ، يخلع فيها المؤمن نفسه من حياة مادية مظلمة إلى حياة روحية مضيئة ، يخلع فيها نفسه من هموم الدنيا و أكدارها إلى لذّة لا يعرفها ألم ، و سعادة لا يعرفها شقاء ، فيبدأ يومه : باسمك اللهم صمتُ ، و يختم نهاره : باسمك اللهم أفطرتُ ، و فيما بين الوقتين يقوم لله قانتاً ، يركع مسبّحاً و يسجد داعياً ، مرتلاً وحيه و قرآنه حتى مطلع الفجر ، و هكذا دواليك حتى يبلغ الغاية و يصل إلى النهاية " (2).

إن المسلم خلال شهر رمضان بمكابدته لوطأة الجوع و لَأْواءِ الحَرّ ، يستشعر نداوة الإيمان الحق ؛ مما يدفعه إلى تعميق شعوره و إحساسه بالآخرين ممن يعانون معظم أيام السنة من المسغبة و العوز و مصاعب الحياة و متطلباتها و مشاقها في واقع يتميّز بالقسوة و ضعف منزع التضامن و التعاون .

لأنّ الإيمان في قلب المؤمن قوة فاعلة مؤثرة دافعة إلى المنجز الإيجابي ، بها يطابق بين مختلف جزئيات مناشطه اليومية ، و بين كلّ حركة من حركاته ، و كل تصرّف من تصرفاته ، و هذا الإيمان لا يتحقق و لا يتجسّد بمجرد التعلّق بالأماني و المشاعر الطيبة ، بل بواسطة العمل الحي ومكابدة الحياة بكل لأوائها و مشاقها ؛ أجل إن العمل الصالح في السر و العلن هو الوسيلة الفذّة التي تُخرج ألق الإيمان إلى الواقع الحي المتحرّك السيّال ( 3) .

ضرورة الائتساء بصاحب الرسالة العظمى

و لا شكّ في أنّ أي مسلم يتطلع في حياته و يحرص في سلوكه على الائتساء برسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم،و الائتساء هو الاقتداء و الأسوة والإتباع ؛ و قد ثبت في الصحاح أنّ صاحب الرسالة العظمى محمد صلى الله عليه و سلم ، كان كثير الصدقة و الجود و العطاء في شهر رمضان .

فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " (4) .

فإذا علم المسلم أنّ من أولويات مقاصد الصوم بعد التقوى ، تفعيل الشعور بآلام و حاجيات ذوي المسغبة و الفاقة ؛ فإنه سوف يمد يده لكل ذي حاجة يستطيع الوصول إليه ، و سوف يعمل من أجل تخفيف معاناة مَنْ يعانون في معيشتهم أو مَن يصارعون الأمراض و الجهل و الكوارث الطبيعية و النوازل بكل أصنافها    و ألوانها ؛ فالبُعد الاجتماعي مقصد مهم جدا في فريضة صوم رمضان .

يقول الأديب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله تعالى مبرزاً هذا البُعد أو المقصد : " و الصيام في مظهره الاجتماعي يُعطينا مظهر أسرة عظيمة تنتشر في جوانب الأرض ، و تقترن شعائرها الدينية كلّ يوم بأمسّ ما يحسه الإنسان في معيشته اليومية ، و هو أمر الطعام و الشراب و متع الأجساد : ملايين من الناس في جوانب الأرض يطعمون على نظام واحد ويمسكون عن الطعام على نظام واحد ، و يستقبلون ربهم على نظام واحد ، و قلما انتظمت أسرة بين جدران بيت على مثل هذا النظام " (5) .

و لا يتوقف نفع الصيام على شبكة العلاقات الاجتماعية ، بل إن نصيب الفرد من النفع و الخير مقرّر أيضا و مشهود ؛ و هو أمر يستشعره و يلمسه كلُّ مسلم يتأمل في عبادته بطريقة صحيحة : " أما الفرد فيستفيد منه خير ما يستفيده الإنسان في حياته الروحية أو حياته الخلقية ، و هو ضبط النفس و شحذ عزيمتها و قدرتها على الفكاك من أسر العادات و تطويع الجسد لدواعي العقل و الروح " (6) .

و من خلال ما تمّ بسطه يمكن لنا أن نستخلص الفوائد التالية :

1ــ الصوم عبادة و فريضة تقوي الإرادة و تشحذ النفس ، و ترتقي بالهِمم و المطامح و الآمال ، و تجعل المسلم يتجاوز ذاته و أنانيته .

2 ــ شهر رمضان مناسبة جليلة ، يراجع فيها المسلم نفسه و مساره ، كي يعرف بدقة ما ينبغي فعله فيما بقي له من وقت ، لأن الحياة بمقياس الإيمان هي استثمار في تزكية الروح و التخلّص من أكدار النفس .

3 ــ صوم رمضان محطة سنوية إيمانية بديعة ، عظيمة النفع على المستويين الفردي و الجماعي .

4 ــ البُعد الاجتماعي ، و التفكير في الآخرين و السعي الجاد لإعانتهم ، و التضامن معهم ، من أهمّ مقاصد صوم رمضان .

هوامش المقال :

1 ـ محمود شلتوت ، من توجيهات الإسلام ، دار الشروق ، القاهرة ، ط 7 ، 1980 م ، ص 351 / 352

2 ـ المرجع نفسه ، ص 352

3 ـ صبحي الصالح ، الإسلام و مستقبل الحضارة ، دار الشورى ، بيروت ، ط1 ، 1982 م ، ص 269

4 ـ رواه البخاري برقم ( 6 ) ومسلم برقم ( 2308 )  .

5 ـ عباس محمود العقاد ، الفلسفة القرآنية ، مطبوعات لجنة البيان العربي ، القاهرة ، 1947 م ، ص 163

6 ـ المرجع نفسه و الصفحة نفسها .

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services