8088
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر...الحلقة "177"

بقلم إسماعين تماووست
"أن تكون شجاعًا لا يعني أن تُنكر وجود الخوف… بل أن تصادقه، تمسك بيده، وترافقه إلى آخر الدرب وأنت تدرك أن خلف الأفق المظلم تنتظرك شموس الحرية."
بهذا الوعي نشأت، وبهذا الإدراك عشت، حيث لا مكان للضعف إلا كحكاية تُروى، لا كواقعٍ يُعاش.
كنت رجلًا يحمل بين أضلعه وطنًا لا يُشبه الأوطان، وطنًا يتنفس من جراحه، يُضيء من رماده، ويُزهر من بين الشوك.
في مهنة يشوبها الجمر وتتعانق فيها الأرواح المهدورة مع رائحة البارود، أدركت أن النجاة لا تُهدى، بل تُنتزع، وأن الإنسان حين يُولد تحت سماء ملبدة بالخيانة والخوف، يصبح من الطبيعي أن يتعلم كيف يقرأ الوجوه، كيف يترجم الصمت، كيف يحفظ عن ظهر قلب لغة الرصاص.
لم تكن الشجاعة عندي لباسًا يُرتدى ساعة الانتصار، بل كانت طقوسًا يوميًة… تقاسمه معي قلبي المتعب وعقلي الذي طالما أصرّ على التماسك في وجه الزيف.
كنت أتعلم من كل طلقة طائشة، ومن كل صرخة مذبوحة، أن الخوف لا ينتصر إلا حين نمنحه إذنًا بذلك، وكنت على يقين، أن المعركة ضد الإرهاب لم تكن مجرد مواجهة مسلحة، بل معركة فكرية، وجودية، روحية.
كنت أحارب أشباحًا بأجساد بشر، يحملون وجوهًا مألوفة وألسنة تنطق بلغة الوطن، لكن قلوبهم مزروعة بسهام الظلام.
في تلك الليالي الحارقة التي كانت فيها المدينة تتنفس الفزع، ويفترش الناس الأرصفة بين نداءات المؤذن وصدى الانفجارات، كنت أردد بيني وبين نفسي:
﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾
[يس: 9]
أؤمن بأن الله يحجب عن عباده المؤمنين شرورًا لا تراها الأعين، كنت أنجو لأن هناك من دعى، وأصمد لأن هناك من انتظرني حياً.
الشجاعة الحقيقية… أن تسير بين الجثث دون أن تفقد إنسانيتك،
أن تظل وفيًا لمبادئك في عالم استباح الكل فيه الكل.
أن تقول "لا" حين يخاف الجميع أن يهمسوا.
في كل مرة كنت أُعاين جثة شهيد أو أسمع قصة يتيم اغتالت قذارة الإرهاب أباه،
كنت أشعر بأن شريانًا جديدًا ينبض في قلبي، وكأنني خُلقت لأحمي هذا الشعب مهما كلف الأمر.
وطني…
لم يكن مجرد تراب، بل ذاكرة، ونكهة، ورائحة صيف، وأغنية جدتي وهي تصنع الخبز في التنور.
كنت أرى في كل شجرة زيتون أُحرقت، وفي كل مسجد دُنّس، إهانة شخصية لا تُغتفر.
فكيف لعاقل أن يساوم على وطنه؟
نعم، كانت الآلام تلاحقني،
لكن هناك نوع من الوجع يمنحك صلابة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الفقد، وخيانة القريب، وخوف الليالي الفارغة.
لم يكن الخطر في الرصاصة، بل في أن تفقد ثقتك في ذاتك.
أما أنا…
فقد آمنت أنني صُفّيت من الشك، وأن الموت أهون من أن أرى وطني يركع.
والشجاعة لم تكن فقط في خوض المعارك، بل في كتابة الحقيقة بمداد الصدق.
اليوم، وأنا أُدوّن ذكرياتي، أدرك كم كانت معركة مفتوحة،
ليس بيني وبين الإرهاب فحسب، بل بيني وبين أشواك نفسي، بيني وبين لحظات الانكسار التي كنت أخفيها عن الجميع.
كنت أعرف أن الشجاعة ليست صراخًا، بل سكينة.
وأن الجُبن ليس صمتًا، بل أن تنحني حين يجب أن تقف.
لذلك بقيت واقفًا، حتى حين تكسّرت داخلي أشياء لا تُرمم.
واليوم،
كلما مررت بأرواح الشهداء في منامي، أو شممت رائحة الأرض بعد المطر،
كنت أهمس:
لم أخذلكم…
ولن أخذلكم.
هكذا عرفتُ معنى أن تكون رجل وطن،
لا تُباع روحه، ولا تُشترى مواقفه.
هكذا أصبح اسمي… يساوي موقف...
"بعض الرجال لا يموتون حين تُزهق أرواحهم… بل حين يُنسون وهم أحياء."
أحيانًا كنت أتساءل بيني وبين نفسي، لماذا يصبح الإنسان غريبًا في مدينته؟
كيف يُمكن لظلّي أن يمر بين الوجوه ولا يلتفت إليه أحد؟
منذ أن التحقت بجهاز الأمن، أدركت باكرًا أن رجال الظل لا يصنعون صداقات، لا يُراكمون علاقات دافئة، ولا يُمنحون فرصة الحنين.
إنهم ببساطة يمشون على أطراف الحياة، يراقبون بصمت ويعودون إلى زوايا العتمة.
لم يكن الوجع في الرصاصة التي لا تعرف متى تستقر في جسدك،
ولا في الخيانة التي تأتيك من حيث لا تحتسب،
بل في هذا الشعور الثقيل، بأنك تسير في الشوارع التي أنقذتها من الإرهاب والموت، دون أن يعرفك أحد،
أنك تمضي في الأزقة التي كان فيها اسمك يرتجف على شفاه الجبناء،
وأنت الآن مجرد رجل مسنّ في نظر المارة…
عابر.
لم أكن أخشى الموت،
كنت أخشى النسيان.
أن تبتلعني الذاكرة المهترئة لوطني كما ابتلعت من كانوا أشجع مني، وأصدق.
في زمن الحرب ضد الإرهاب، كُنا نعيش أيامنا كأنها آخر ما سنملكه.
أحذيتنا تعرف الطرقات الوعرة أكثر مما تعرف غرف بيوتنا،
عيوننا تحفظ تفاصيل المجرمين أكثر من ملامح أبنائنا.
وحين انتهت تلك العاصفة،
لم يجد معظمنا مكانًا يعود إليه.
لأن من يعاشر الموت طويلًا… يفقد لغة الحياة.
أصدقاء السلاح، أغلبهم صرعتهم الرصاصات أو أنشبت فيهم الخيانات أنيابها.
ومن بقي منهم، صاروا أشباحًا لا يذكرهم أحد،
تآكلوا في زوايا مقاهي قديمة،
في عتمة غرف متهالكة،
في جحيم ذكريات لا تُروى.
ولأنني كنت أمتلك من القلم ما يعجز عن حمله الرصاص،
قررت أن أكتب.
أحفظ أصوات الذين صمتوا، وأروي وجوه الذين ماتوا دون أن يعرفهم أحد.
أن أكون شاهدًا على زمن أكلت فيه الذئاب لحوم الرجال،
وسجد فيه الجبناء للدم.
فهمت متأخرًا،
أن الوطن لا يقاس بما يُقال عنه في المنابر،
بل بما نُقدمه له من عمرنا، من حواسّنا، من حبّنا، دون انتظار جزاء.
في كل مرة أضع قلمي على الورق، أشعر أنني أحاور الأشجار التي احترقت،
أنادي الشوارع التي نزفت،
أربّت على كتف طفل يتيم، وأمسح دمعة أرملة.
أدركت أيضًا أن الحروب الحقيقية،
تترك ندوبًا لا تُرى على الجسد،
بل في الروح.
كنت أعلم أنني مهما كتبت،
لن أستطيع ردّ الحياة لمن فقدتها،
لكني على الأقل… سأمنع النسيان من دفنهم حيًّا.
حتى الحبّ،
كان بالنسبة لرجل مثلي، رفاهية مستحيلة.
كيف لرجل يتقاسم سريره مع الخوف،
ويشرب قهوته مع احتمال الموت،
أن يمنح لبيته واقرب الناس إليه حباً أو يعيش طعمه ؟
بقيت وحدتي هي صديقتي الوحيدة.
أحملها معي في جيب معطفي القديم،
أحادثها حين ينام العالم،
وأعاتبها حين تقسو عليّ.
ومع ذلك، لم أندم.
لأن بعض المسارات لا نختارها،
بل تفرضها علينا رسائل القدر.
وقدري كان أن أكون ظلًا لا مرئيًّا…
لكن حاضرًا بقلمي، بشهادتي، بحروفي.
وفي النهاية،
سيقرأ البعض كلماتي من باب الفضول،
والبعض من باب الواجب،
لكنني أكتب من أجل أولئك الذين لن تصلهم هذه الكلمات.
من أجل الصمت العظيم الذي يحتضن الشهداء.
هكذا تعلمت…
أن الشجاعة ليست فقط في مواجهة العدو،
بل في مواجهة النسيان....
.يتبع...

