23

0

رمضان في فكر الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي

بقلم : د. إبراهيم نويري ــــــ كاتب وباحث أكاديمي
 
  منذ سنوات طويلة ، عندما يقترب حلول الشهر الفضيل ، شهر رمضان المعظم ، أجد في نفسي دافعاً داخلياً لكتابة مقال يليق بمقام هذه المناسبة الجليلة المتّصلة بفريضةٍ من أجلّ فرائضِ الإسلام الحنيف .
 
و في هذا العام عنّت لي فكرة تناول حضور رمضان و ما يندرج من قضايا تتصل بحال المجتمع الإسلامي خلال هذا الشهر في فكر و آثار الشيخ الأديب الجزائري محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله . و عند عودتي لبعض آثاره العلمية الجليلة النفيسة ، فوجئت بأنّ مادة الموضوع غزيرةٌ ، مما حتّم اختصاره في هذه المساحة الورقية .
 
 يُعدُّالإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله ( 1889 ـــ 1965 م ) ، من أعمدة النهضة الفكرية و الأدبية و الإصلاحية المعاصرة في الجزائر ؛ يقول عنه أحد تلامذته النجباء هو الأستاذ أحمد بن ذياب :" الشيخ الإبراهيمي مفخرة الجيل ، و منّة الدنيا على العربية و أدبها و فلسفتها ، و أحد العباقرة الذين يفرضون خلودهم على الأيام ، فهو العالم الديني الممتلئ الجوانب من روح الشريعة و فقه أسرار الدين ، و هو الفيلسوف الاجتماعي الذي لا يُشقّ له غبار ، و هو المربي الخبير بمواطن الرشد و مزالق الغي ، أما التاريخ و قصصه و عبره ، و أما الأدب و عصوره و شعره و منثوره ، و أما اللغة و غريبها و مأنوسها و تاريخ أطوارها ، فهو في كلّ هذه حدّث عن البحر و لا حرج ، و قد تمّم الله عليه نعمته فآتاه حافظةً موعيةً و ذاكرةً واعية ، و أكمل له أدوات العالم الأديب الفيلسوف " .
 
   ثم يستتلي في ثنائه و إطرائه قائلاً : " فأنت كلما أصغيتَ إليه يخطب أو وهو يحاضر ، أو قرأتَ له ما يكتب ، أو جلستَ إليه في حلقات الدروس هالَكَ منه الأسلوب الرائع و البرهان الساطع ، و لم تعد تدري من أيّ النواحي يتملّكك العجب ، أمِن فصاحة لسانه ؟ أم مِن بلاغة كلامه ؟ أم مِن أزهار المعاني تتفتّق عنها أكمامُ الألفاظ المُنتقاة ؟ أم مِن طواعية اللغة للسانه و طواعية لسانه للّغة ؟ و رأيتَ كيف يستخدمُ الأدبُ الفلسفةَ ، و كيف تستعينُ الفلسفةُ بالأدب ، فيجريان كفرسي رهان من شَبَاةِ قلم الإبراهيمي الجبّار(1) ،أو من لسانه القئول الصئول (2)، و رأيتَ كيف تكون روعتُهما مسخّريْن لخدمة الحق ، مؤيديْن للحقيقة ، ناصريْن لجنود الخير ، و لقلتَ معي : سبحان الذي يؤتي الحكمة و فصل الخطاب مَن يشاء ، و يحرمهما مَن يشاء " (3) . فهذه الكلمات القليلة تقرّب للقارئ منزلة الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ، و تعطي صورة تقريبية لريادته الأدبية و الإصلاحية .
حرص على تصويب السلوكيات الخاطئة 
    أثناء عودتي لبعض آثار الشيخ الإبراهيمي ألفيتُ تركيزاً شديداً على معالجة الأخطاء و الظواهر السلبية التي تنتشر في المجتمعات الإسلامية ، و هي في عمومها تقاليد لا صلة لها بهدايات الإسلام و مقاصد شريعته ؛ و بخصوص تلك السلوكيات التي كثيراً ما نشاهدها خلال شهر رمضان ، يذهب الشيخ الإبراهيمي إلى أنها متعدّدة و أنها بحاجة إلى ترشيد و توجيه و إصلاح . و في البدء يسجّل بأنّ التقصير في حق الشهر الفضيل يبدأ من محطة إطلاق أوصاف ظاهرية سطحية عليه ، بينما هو زمن ٌمبارك ٌ ، قمينٌ بأنّ يقترن بأوصاف تغوص إلى المقاصد التي يرومها هذا الركن الجليل ، فيقول : " يُسمي الناسُ هذا الشهر العظيم بشهر الصوم ، أو شهر الإمساك ، فيقتصرون على الظاهر من أمره ، فيبتدئ التقصيرُ منهم في جَنْبِهِ من تسميته بأهون خصائصه ، و وصفه بأيسر صفاته ، و وزنه بأخفّ الموازين ؛ و شيوع هذه المعاني السطحية بين الناس يُفضي بالنفوس إلى تأثُّرات باطنية ، تُبعدها عن الحقائق العليا ، و تنزل بها إلى المراتب الدنيا .. " (4) .
  ثمّ يلجأ إلى تصوير الباعث الذي دفع به إلى توجيه هذا النقد الذي لا بدّ منه ، في سبيل تصحيح العلاقة بين المسلمين بدينهم و عباداتهم و شعائرهم ؛ إنّه باعث ضعف أثر أو مردود ما يزاوله المسلمون في المشارق و المغارب من عبادات و فرائض ، و في نظر الشيخ أنّ ما هوّن العبادات في واقع المسلمين " و صيّرها عادمةَ التأثير ، تفسيرُها بمعاني الدنيا ، و تفصيلُها على مقاييسها ، فالخوف من الله كالخوف من المخلوق ، و الرجاء في الله على وزن الرجاء في غيره ، و التوكّل كالتوكّل ، و القرب كالقرب .. و على هذه الأقيسة دخلتْ في المعاملات مع الله معاني التحيُّل .. فذهبتْ آثار العبادات و بقيتْ صُوَرُها ، فلم تنهَ الصلاة عن الفحشاء و المنكر ، و لم يُهذّب الصومُ النفوسَ ، و لم يكفكف من ضراوتها ، و لم يزرع فيها الرحمة و لم يُغرها بالإحسان " (5) . 
 و هذا أمر جَلل ينبغي أن يحظى باهتمام و عنايةٍ و متابعةٍ ، من كلّ مسلم حريص على فهم دينه فهماً عميقاً معزّزاً بالأدلة ، و معضّداً بإدراك الأهداف و الغايات و المرامي ، إذْ من البداهة أن يكون " لكلّ عبادة في الإسلام حكمةٌ أو حِكمٌ ، يظهر بعضُها بالنصّ عليه أو بأدنى عمل عقلي ، و يخفى بعضُها إلاّ على المتأمِّلين المتعمِّقين في التفكير و التدبّر ، الموفّقين في الإستجلاء و الإستنباط ؛ و الحكمة ُ الجامعة في العبادات كلّها ، هي تزكية النفس ، و تطهيرُها من النقائص و تصفيتُها من الكدرات ، و إعدادُها للكمال الإنساني ، و تقريبُها للملإ الأعلى " (6) .
   و في موضع آخر من كتابات الشيخ البشير النفيسة ، نجده ينعى بحرقة و مرارة و ألم ، على المسلمين المعاصرين شدّة مبالغتهم و إسرافهم في تنويع الأطعمة و الأشربة و الملّذات المختلفة ، و في نظر الشيخ فإنّ هذا الاستعداد المتناهي ، أو المبالغ فيه " الذي يستعّده مسلمو اليوم لرمضان بالتفنّن و الإستكثار من المطاعم و المشارب مخالفٌ لأوامر الدين ، منافٍ لحفظ الصحة ، مناقضٌ لقواعد الاقتصاد ، و لو كان هؤلاء متأدبين بآداب الدين لاقتصروا على المعتاد المعروف في طعامهم و شرابهم ، و أنفقوا الزائد في طرق البرّ و الإحسان التي تناسب رمضان .. و لو فعل الأغنياء و المسرفون ذلك لأضافوا إلى قربة الصوم قربةً أخرى ذات قيمة عظيمة عند الله ، و هي الإحسان إلى المعدمين ، و ذات مزيّة في المجتمع ، لأنها تقرّب القلوب في الشهر المبارك ، و تُشعر الصائمين كلّهم بأنه شهر إحسان و رحمة و توكيد للأُخوة الإسلامية " (7) .
   إنّ الإمام البشير الإبراهيمي ـــــ حسب قراءتي لآثاره ــــ يفرّق بين حقيقة الصوم ، و بين مجرّد الإمساك ، فما أكثر الممسكين ـــ برأيه ـــــ و ما أقلّ الصائمين ؛ و خلفية هذا التفريق ، حرصُه الأكيد على الارتقاء بتصوّرات المسلمين لعباداتهم و شعائر دينهم ، فإن العبادات و الفرائض إذا مورست في غفلة ، بمنأى عن إدراك مقاصدها ، تتحوّل إلى صورة من صور العادات ، كما أنّ ثمارها و آثارها في حركة الحياة و في شبكة العلاقات الاجتماعية ، تكون محدودة أو شديدة الضعف ، و هذه معضلة حقيقية ، ينبغي التشديد على علاجها .
أهميّة الاتفاق على وَحدة المطالع
و من بين القضايا التي تصدّى الشيخ البشير لها أيضاً، و بذل فيها جهداً ـــــ كما يبدو في عدّة مواضع من كتاباته ــــــ قضية اختلاف المطالع ، التي تفضي في الكثير من الأحيان ، إلى اختلاف المسلمين ، سواء في بدء صوم أيام الشهر الفضيل ، أو في بدء فرحة العيد ، و هي كذلك من المشكلات التي تُضعف وَحدة الأمة الإسلامية و تؤثر سلباً في النسيج النفسي للمشاعر الإسلامية . و في مقال له يوجّه هذا النداء الذي يتفطّر ألماً و حرقة ، لما في هذه المسألة من فرقة لصفّ المسلمين و من إضعاف لدينهم و وَحدتهم الروحية:" أيها المسلمون : في كلّ عام تُفتنون في دينكم مرّتين ، فتختلفون في الصوم اختلافاً شنيعاً و تتفرّقون في الإفطار تفرّقاً أشنع ، و كلّما جاء شهر رمضان الذي تُصفّد فيه الشياطين ، انطلقت من بينكم شياطين تدعوكم إلى التفرّق في شعيرة لم تُشرع إلا للجمْع ، و تزيّن لكم الاختلاف في الدين باسم الفقه في الدين " (8) .
و لا يتناسى الإمام الإبراهيمي التذكير بلذّة الاتحاد و الوحدة في شتى المناسبات الإسلامية ، خاصة في رمضان و العيد الذي يعقبه لأنها من أجلّ المقاصد . فيقول " يضاعف جمال العيد و جلاله اتحاد المسلمين عليه ، و كم لاتحاد المسلمين في أعيادهم من معانٍ ، و كم له من مزايا ، أجلّها أنه يغذي قوة المسلمين الروحية ، و يمدّ قوتهم المادية بأمداد التحابب و التعاطف "(9) ؛ ثم يتطلع الشيخ إلى أن يُفهم حق الفهم في تركيزه على هذه المسألة ، لاسيما بالنسبة لقرائه المسلمين البعيدين عن وطنه بعداً جغرافياً لا روحياً ، لأنه تصدى لهذه المشكلة في ظروف خاصة مرّ بها وطنه ــــ إبان مرحلة الاستعمار الغاشم ــــ فنجده و كأنه يلتمس بعض العذر في قوله :" لعل قراء البصائر من إخواننا في الشرق و الغرب ينكرون علينا ولوعنا بهذه القضية ، و يعدّونها أهون من هذا الترديد لها ، و تكرار القول فيها ، و ربما ينزل بمكانة البصائر في نفوسهم هذا الأنين المتصاعد من هذا القلم المتألم .. و يا ويح الشجيّ من الخليّ(10) ، و يميناً لو اطّلعوا على الحقيقة ، أو لو ابتلوا ببعض ما ابتُلينا به لقام لنا عندهم عذر ، أو لكان لنا منهم شفيع " (11) .
 هذه قراءة مقتضبة لبعض قضايا شهر رمضان و علاقة المسلمين بهذه الفريضة الجليلة في كتاب الأديب الأريب الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي " عيون البصائر " ؛ هذا الكتاب المتميّز في عطاء الإبراهيمي الفكري و الأدبي ، الذي قال فيه أمير شعراء الجزائر " محمد العيد آل خليفة " رحمه الله في قصيدة طويلة وممتعة بعنوان " مشاعل حكمة " :
"عيون" بها تجلو "البصائر" نورها علينا كما يجلو الكواكبَ مرصـدُ
تجلّى بها نـورُ الهـــداية فاجتلى بها هدفَ الإصلاح مَن هو أرمدُ
و أطلعـــها فكــر "البشير بأفقه" فمـــــــا هـــــي إلاّ أنجــــمٌ تتـــــوقّــــــــدُ
و لا أدّعـي أني أقــــدّمُ سِفرَه فذلـــك شـــــأوٌ عن بيـــــــــاني يبــــعدُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
1 ــــ شَباةُ الشيء : حدُّ طرفه ، و شَباةُ العقرب : إبْرتُها .
2 ــــ القئول الصئول : الواسع الصّول و التخوّض في كلّ ضروب القول و أفانين الكلِم .
3 ـــــ أحمد بن ذياب ، صحيفة البصائر ، العدد 124 ، السنة الثالثة من السلسلة الثانية للصحيفة ، 19 يونيو 1950 م .
4 ـــــ محمد البشير الإبراهيمي ، عيون البصائر ، الجزء الثاني ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، ط1 ، الجزائر ، 1981م ، ص 572
5 ـــــ المرجع نفسه ، ص 573
6 ـــــ المرجع نفسه ص 574
7 ــــــ المرجع نفسه ، 575 
8 ــــــ محمد البشير الإبراهيمي ، عيون البصائر ، الجزء الثالث ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، ط1 ، الجزائر ، 1981 م ، ص 11 
9 ــــــ المرجع نفسه ، ص 321 
10 ــــ مثل عربي استعمله أبو تمام في بيت من شعره ، و الشجيّ هو المهموم الحزين؛أما الخليّ فهو فارغ البال أو مَن لا هموم تقضّ مضجعه .
11 ــــــ المرجع نفسه ، ص 322 
 
 
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services