28
0
دور الصحافة المتخصصة وجمعيات حماية المستهلك في حقل المال والاعمال
ثلاثية التنمية في الجزائر: الصحافة المتخصصة وجمعيات حماية المستهلك.. نبضٌ في قلب حقل المال والأعمال

بقلم: الأستاذ كريبع خذير
خبير في الاستهلاك ونائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلك
في اللحظة الراهنة التي تصيغ فيها الجزائر معالم "جمهوريتها الجديدة" على أسس اقتصادية صلبة، لم يعد مفهوم التنمية مجرد أرقام تُتداول في البورصات أو صفقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة. إننا اليوم أمام ميلاد معادلة استراتيجية كبرى، أطرافها: المستثمر الطموح، المستهلك الواعي، والصحافة المتخصصة. هذه الثلاثية هي التي تشكل اليوم صمام الأمان والبوصلة الهادية في حقل "المال والأعمال" الذي بات يموج بالتحولات الكبرى.
الصحافة المتخصصة: عينٌ على السوق وأخرى على الحقوق
إن الصحافة في عمقها الوظيفي ليست مجرد مرآة تنقل الواقع، بل هي "مشرط جراح" يستأصل الأورام الاقتصادية قبل استفحالها. في سوقٍ يتسم بالديناميكية، تبرز الصحافة المتخصصة كأداة عليا للرقابة والشفافية؛ فهي التي تمنح المستهلك "سلطة المعرفة" عبر تمكينه من الوصول إلى المعلومة الصحيحة حول الأسعار والمعايير.
إن دورها في كشف الممارسات الاحتكارية وضبط فوضى الأسواق ليس مجرد عمل مهني، بل هو واجب وطني يمنع تغوّل الرأس مال غير المنتج على حساب القوة الشرائية للمواطن، مما يجعل من الحقل الاقتصادي فضاءً مكشوفاً لا تغيب عنه شمس الحقيقة.
السيادة الاقتصادية: من "عقدة الاستيراد" إلى "فخر الإنتاج"
لا يمكن الحديث عن حماية المستهلك بمعزل عن السيادة الاقتصادية. وهنا تتقاطع أهداف جمعيات حماية المستهلك مع رسالة الإعلام الهادف. إن الترويج للمنتج الوطني ليس ترفاً، بل هو معركة "وجود" في عالم لا يحترم إلا الأقوياء إنتاجياً.
من خلال تسليط الضوء على قصص النجاح في الصناعة المحلية، تسهم الصحافة في ترميم جسور الثقة بين المواطن ومنتجه الوطني. هذا التناغم يقلل التبعية للخارج، ويحول الاستهلاك من فعلٍ بيولوجي يومي إلى فعلٍ نضالي يغذي عصب الاقتصاد الوطني ويخلق فرص العمل لأبنائنا.
جودة الخدمات.. الرهان على التنافسية النزيهة
حين تفتح الصحافة ملفات النقل، الصحة، والتحول الرقمي، فهي لا تنقد من أجل النقد، بل تضع "حجر الأساس" لبيئة أعمال تنافسية. إن الضغط الإعلامي باتجاه رفع معايير الأداء يُجبر المؤسسات ورجال الأعمال على الانتقال من "منطق الربح السهل" إلى "منطق الخدمة النوعية". فالمستهلك اليوم لم يعد يكتفي بالسلعة، بل يبحث عن القيمة المضافة والاحترام الإنساني في الخدمة المقدمة، والصحافة هي الصوت الذي لا ينقطع للمطالبة بهذا الحق.
من "المستهلك المتلقي" إلى "المستهلك الفاعل"
إن الهدف الأسمى الذي ننشده في الاتحاد الوطني لحماية المستهلك، وبالشراكة مع الأسرة الإعلامية، هو إحداث طفرة في الوعي الجمعي. نحن نسعى لتحويل المستهلك من ضحية محتملة للمغالطات التجارية إلى "طرف فاعل" ومراقب شريك.
عبر نشر الثقافة القانونية والضوابط الصحية، نخلق بيئة أعمال منضبطة ذاتياً؛ فالتاجر الذي يدرك أن خلفه مستهلكاً محمياً بالقانون ومدعوماً بالإعلام، سيجد نفسه مدفوعاً نحو الاستقامة المهنية، مما يرسخ استدامة الاقتصاد وأخلاقيات المهنة.
نحو ميثاق أخلاقي للسوق الجزائرية
ختاماً، إن "الجسر" الذي تشيده الصحافة المتخصصة بين المستهلك وعالم المال والأعمال هو الضمانة الحقيقية لتحويل السوق الجزائرية إلى فضاء أخلاقي بامتياز. إنه رهانٌ لا يقبل التأجيل، ليكون "حماية المستهلك" هو المحرك الفعلي لقطار التنمية.
إننا لا نبني سوقاً فحسب، بل نبني ثقافة استهلاكية حضارية، تجعل من الجزائر قطباً اقتصادياً يوازن بين طموح الاستثمار وقوة القانون، تحت مظلة من الشفافية التي لا تغفو عيونها

