213
0
بومعراف يطوي صفحة الأفلان… وباتنة تدخل مرحلة إعادة تشكيل الخريطة الحزبية

لم تكن صورة رئيس المجلس الشعبي الولائي لباتنة أحمد بومعراف وهو يجلس في الصفوف الأولى إلى جانب رئيس حزب جبهة المستقبل فاتح بوطبيق مجرد لقطة بروتوكولية عابرة في احتفالية الذكرى الرابعة عشرة لتأسيس الحزب.
ضياء الدين سعداوي
بل بدت في نظر كثيرين رسالة سياسية محسوبة بدقة تختصر مسار قطيعة طويلة مع حزب جبهة التحرير الوطني وتعلن عملياً عن تموقع جديد لرجل ظل إلى وقت قريب أحد الوجوه البارزة في الأفلان بولاية باتنة.
هذا الظهور العلني الأول لبومعراف منذ استقالته من الأفلان في ديسمبر الماضي لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يعيشه الحزب العتيد محلياً ووطنياً. فالأفلان، الذي كان لعقود “الحصن المنيع” في عاصمة الأوراس يجد نفسه اليوم في موقع دفاعي يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى: خسارة مقعد “السينا” في التجديد النصفي لمجلس الأمة لصالح الأرندي، فقدان مواقع تاريخية في المجالس المنتخبة وتآكل رمزيته الإنتخابية منذ حراك فيفري 2019.
انضمام متوقع… وتوقيت دال
المتابعون للشأن السياسي في باتنة يكادون يجمعون على أن إنضمام بومعراف إلى حزب جبهة المستقبل كان متوقعاً منذ لحظة إعلان استقالته من الأفلان ، غير أن إختيار التوقيت – زيارة رئيس الحزب والإحتفال الرسمي بتأسيسه – لم يكن بريئاً، فالرسالة مزدوجة إلى خصومه في الأفلان، بأن خروجه لم يكن هروباً فردياً بل انتقالاً إلى فضاء يمنحه الإعتبار السياسي؛ وإلى أنصاره بأن موقعه داخل الحزب الجديد ليس هامشياً بل “رقم له كلمته” كما يروج محيطه.
الصورة.في السياسة قد تكون أبلغ من البيان، وبومعراف بدا في تلك المناسبة ليس كمن التحق حديثاً بحزب بل كفاعل مرحب به في الصفوف الأولى ما يعكس – على الأقل رمزياً – الرهان الذي تضعه جبهة المستقبل على استقطاب وجوه ذات وزن انتخابي وتنظيمي، خصوصاً في ولايات مفصلية مثل باتنة.
الأفلان وأزمة البيت الداخلي
في المقابل لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن الأزمة العميقة التي يعيشها حزب جبهة التحرير الوطني بباتنة، فرغم امتلاكه الأغلبية في عدة مجالس منتخبة إلا أن الانقسامات الداخلية والصراعات بين الأجنحة حولت هذه الأغلبية إلى عبء أكثر منها قوة، خسارة مقعد مجلس الأمة رغم التفوق العددي كانت دليلاً صارخاً على أن الإنقسام قد يكون أحياناً أخطر من الخصوم.
قصة بومعراف مع الأفلان.كما يرويها أنصاره ومراقبون.لم تبدأ مع إنتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة بل تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد سقوط الأمين العام السابق أبو الفضل بعجي وصعود القيادة الحالية، اصطفاف بومعراف إلى جانب بعجي جعله – بحسب هذا السرد – هدفاً لتصفية حسابات سياسية داخلية بدأت بحرمانه من الترشح للجنة المركزية ثم إبعاده عن قيادة الحزب محلياً وانتهت بإسقاط ملف ترشحه لمجلس الأمة من طرف السلطة المستقلة لتنظيم الانتخابات.
سواء صحت فرضية “الأيادي الخفية” داخل الحزب التي أسقطت ملف بومعراف في انتخابات السينا أم لا فإن الثابت سياسياً هو أن الأفلان فشل في إدارة خلافاته الداخلية وسمح لها بأن تتحول إلى نزيف مستمر للكفاءات والقيادات المحلية.
ما بعد التحول… أسئلة مفتوحة
انضمام بومعراف إلى جبهة المستقبل لا يعني فقط خسارة اسم للأفلان بل خسارة موقع رئاسة المجلس الشعبي الولائي، وهي خسارة رمزية وسياسية في آن واحد تضاف إلى سلسلة خسائر جعلت الحزب لأول مرة منذ الإستقلال يغيب عن تمثيل ولاية باتنة في البرلمان خلال العهدة التشريعية الحالية.
في المقابل يفتح هذا التحول أسئلة حقيقية حول مستقبل الخريطة الحزبية في الولاية:
هل تنجح جبهة المستقبل في تحويل هذا “الكسب النوعي” إلى توسع فعلي في القواعد والنتائج؟
وهل يدرك الأفلان أن استعادة مكانته التاريخية تمر أولاً عبر مصالحة داخلية حقيقية لا عبر منطق الإقصاء وتصفية الحسابات؟
ما هو مؤكد أن السياسة في باتنة لم تعد كما كانت ، التحالفات تتغير والرموز تنتقل والناخب الذي كان يصوت بالأمس بدافع التاريخ والرمزية بات اليوم أكثر حساسية لأداء الأحزاب واستقرارها الداخلي، وفي هذا المشهد المتحرك تبدو خطوة بومعراف عنواناً لمرحلة جديدة… عنوانها الأبرز: من لا يحسن إدارة بيته، سيخسر أبناءه قبل أن يخسر خصومه.

