146
0
الجزائر تراهن على قطيعة هيكلية مع المحروقات و"الرهان الجديد للقرن"
قراءة في بيان مجلس الوزراء

حمل بيان مجلس الوزراء المنعقد اليوم برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، دلالات إستراتيجية عميقة، بحيث يضع ملامح أولية لمرحلة جديدة في سياسة الجزائر الإقتصادية.
ضياء الدين سعداوي
و ترتكز هذه المرحلة على ثلاث ركائز أساسية تتمثل في فك الإرتباط التدريجي بالمحروقات عبر قفزة نوعية في قطاع المناجم، وإعادة تعريف أولويات البنية التحتية بمشروع سكة حديدية يعيد توزيع الثروة والتنمية، وتأكيد المقاربة التشاركية بإشراك الشباب كفاعل أساسي في المعادلة السياسية والإقتصادية.
أوامر رئاسية بتحديد مواعيد نهائية: فلسفة الحسم والسرعة
اللافت في توجيهات رئيس الجمهورية هو الإلحاح على "المواعيد النهائية" كآلية ضغط إيجابية على الحكومة. فتكليف وزير المناجم ببلوغ مرحلة تصدير الفوسفات قبل مارس 2027، وربطه بانتهاء أشغال الرصيف المنجمي بميناء عنابة في التوقيت نفسه، يكشف عن رؤية متكاملة لسلسلة القيمة، من الاستخراج إلى المعالجة إلى التصدير. هذه الهندسة الزمنية الدقيقة تحمل رسالة واضحة بأنه لا مجال للتأخير أو للتجزئة في تنفيذ المشاريع الكبرى.
كما أن الأمر "بالإطلاق الفوري" لأشغال وحدات معالجة الفوسفات وتشييد مخازن اليوريا والأمونياك، يترجم فلسفة إدارة الأزمات بالتحول إلى فرص، حيث تمنح الأولوية للصناعات التحويلية بدلاً من تصدير المادة الخام، وهو تحول إستراتيجي يحمي الإقتصاد من تقلبات الأسواق العالمية.
مشروع السكة الحديدية: "الرهان الجديد للقرن" وإعادة تعريف الجغرافيا الإقتصادية
عندما يصف رئيس الجمهورية خط السكة الحديدية الرابط بين العاصمة وتمنغست بأنه "لا يقل أهمية عن مشروع غارا-جبيلات"، فإنه يضعه في مصاف المشاريع المؤسسة للدولة الحديثة. هذا المشروع الذي يمتد لأكثر من 2000 كيلومتر، ليس مجرد شريان نقل، بل هو أداة لإعادة التوازن المجالي، بربط أقصى الجنوب بالشمال، وكسر العزلة عن مناطق كانت تعاني من التهميش التنموي.كما يعتبر رافعة للإندماج الإقتصادي بين مناطق إنتاج الثروة (المناجم، الفوسفات، الحديد) ومناطق التصنيع والتصدير . فهو أيضاً مدخل لتحقيق الأمن الغذائي من خلال تسهيل نقل المحاصيل الزراعية من المناطق الجنوبية الواعدة.
والمحدد الزمني "نهاية 2028" لدخوله حيز الخدمة، يضع الحكومة أمام مسؤولية كبيرة في تسريع وتائر الإنجاز، خاصة أن المشروع يمر بمناطق ذات تضاريس وعرة ومناخ قاس.
قطاع المناجم: قطيعة وليس تنويعاً
استخدام عبارة "قطيعة مع التبعية للمحروقات" بدلاً من "تنويع الإقتصاد" أو "تخفيف التبعية"، يحمل دلالة حاسمة. إنها مقاربة تقوم على جعل قطاع المناجم قطاعاً حيوياً مدراً للثروة في المرتبة الأولى، وليس قطاعاً مكملاً أو مساعداً.كما يضع قطاع المناجم المناجم في موضع المحرك للصناعة التحويلية عبر إنشاء وحدات معالجة المادة الأولية، وليس مجرد استخراج وتصدير.إلى جانب توحيد الجهود بين قطاعات متعددة مثل النقل (السكة الحديدية)، الموانئ (الرصيف المنجمي)، والصناعة (وحدات المعالجة).
إعادة هيكلة الطاقة: كتابة دولة للطاقات المتجددة؟
توجيه الرئيس بدراسة جدوى استحداث "كتابة دولة مكلفة بالطاقات المتجددة"، يعكس إدراكاً لأهمية هذا الملف الذي كان يعاني من التشتت المؤسساتي. هذه الخطوة، إذا تم تجسيدها، ستمنح الطاقات المتجددة وزناً سياسياً وإدارياً مستقلاً عن قطاع المحروقات التقليدي.إلى جانب السرعة في إتخاذ القرار وتجنب البيروقراطية. و القدرة على جذب الإستثمارات الدولية والشراكات.
لكن عبارة "دراسة جدوى" تترك الباب مفتوحاً لإعادة النظر، مما يعني أن الرئيس يريد نموذجاً فعالاً وليس مجرد إضافة هيكل إداري جديد.
تعبئة الشباب: من "فئة إجتماعية" إلى "شريك إستراتيجي"
في البند المتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة، ينتقل خطاب رئيس الجمهورية من "تشجيع الشباب" التقليدي إلى "فتح المجال أمامهم للوصول إلى أعلى المهام" واعتبار ذلك "شرفاً كبيراً للجزائر المنتصرة". هذا التوجه يحمل أبعاداً متعددة أولها البعد السياسي من خلال تكريس جيل جديد من النخب الحاكمة، استعداداً للاستحقاقات المقبلة. وبعد إقتصادي من خلال توظيف طاقات الشباب في إدارة الأعمال والقطاع الاقتصادي، حيث أثبتوا كفاءاتهم . و اجتماعياً في تعزيز الإنتماء الوطني لدى فئة تشكل أكثر من نصف المجتمع، وامتصاص أي إحباط سياسي.
كما أن الإشارة المحددة إلى "العنصر النسوي" تؤكد أن المقاربة شاملة ولا تقتصر على الشباب الذكور فقط، مما يعزز مبدأ تكافؤ الفرص.
دلالات التوقيت والترتيب
ترتيب العروض في البيان لم يكن عشوائياً، فالبدء بالتحضير للامتحانات (ملف يومي يمس كل الأسر)، ثم تعبئة الشباب (ملف سياسي إستراتيجي)، ثم السكة الحديدية والمناجم (ملفان اقتصاديان طويلا المدى)، يعكس هرمية الأولويات ، فالاستقرار الإجتماعي أولاً، ثم التمكين السياسي، ثم الإنطلاقة الإقتصادية الكبرى.
كما أن تهنئة وزيرة الثقافة على زيارة البابا ليون، قبل الدخول في الملفات الاقتصادية، يضع البعد الدبلوماسي والثقافي كمدخل للانفتاح الدولي، ويعكس توجه الدولة نحو تعزيز صورتها كفضاء للحوار والتسامح.
قراءة في الصمت: ماذا لم يقل البيان؟
غياب أي إشارة إلى ملفات ساخنة مثل التضخم، القدرة الشرائية، أو البطالة، قد يعني أن هذه الملفات محسومة أو تعالج في آليات أخرى، أو أن الرئيس أراد تركيز البيان على الرؤية البعيدة المدى بدلاً من التفاصيل اليومية. كما أن عدم ذكر أي توجيهات حول السياسة النقدية أو سعر الصرف، يؤكد أن هذه الملفات تترك للسلطات النقدية (بنك الجزائر) بعيداً عن التدخل الحكومي المباشر.
بيان مجلس الوزراء الصادر اليوم، يضع الجزائر على مفترق طرق إستراتيجي ، إما النجاح في تحقيق "القطيعة مع المحروقات" قبل نهاية العقد، أو المخاطرة باستمرار التبعية للإيجارات النفطية. المشاريع العملاقة (السكة الحديدية، مناجم الفوسفات، الرصيف المنجمي) لم تعد مجرد وعود انتخابية، بل تحولت إلى التزامات بمواعيد نهائية ستكون مقياساً حقيقياً لأداء الحكومة.
الرهان الأكبر يبقى على التناغم بين القطاعات على غرار وزارة النقل التي تنجز السكة، وزارة المناجم تستخرج وتعـالج، وزارة الأشغال العمومية تطور الموانئ، وزارة الطاقة ترافق التحول. أي خلل في هذا المثلث قد يؤخر المواعيد المحددة. لكن الإرادة الرئاسية الواضحة والمواعيد الصارمة، قد تكون العامل الحاسم في تحويل هذه الطموحات إلى واقع ملموس.

