77
0
تعليقات القراء

محمد مراح
تحاول الصحافة الوطنية المكتوبة والإلكترونية الانتقال و مسايرة المسار الوطني الجديد مع مراجعات ، وتجديدات وتكيف وفق تطورات تحديات تكنولوجيا الاتصال العملاقة . والتغييرات الكبيرة في المشهدين الوطني والعالمي .
وقد يبدو من الطبيعي ملاحظة بعض الاضطرابات تطال تقاليد صحفية عاشت عليها الصحف عبر تاريخها ، كانت تمنحها الحيوية، وكانت عاملا قويا في صناعة أمجادها .
يلاحظ على صحفنا ـــــ خاصة عبر نشراتها الإلكترونية ـــــ التراجع الخطير عن التعليقات على المنشورات الصحفية . مما حولها إلى منابر إلقاء، لا تسمع إلا نفسها ، ولا تأبه لعملتها الذهبية التاريخية؛" القراء و الرأي العام" .
نرى من حق القارئ التعليق النظيف ، وليس للصحافة إتاحة مساحة تعليقات ، وإبقائها فارغة . فالرأي العام شريك في صنع الصحافة والإعلام ، بل إن سبب وجودها . كما أنه زبونها الرئيس ، ومن حقه تقييم المنتج . و حرمانه من هذا الحق ، اعتداء بيِّنٌ ، واستبداد إعلامي و تعالى . وتلبيس على الحق .
فالمنشور الصحفي سيصير جزءا من الذاكرة التاريخية ليوميات {الرسمية والعامة }للوطن والشعب . وعليه تتحكم الحقائق والأغلاط و التلبيسات والتشوهات والجهالات في رسم صورة تاريخية عن البلد وثقافته ومستواه الحضاري ، في مقررات التاريخ و فكر الأمم والدول والحضارات .
واستفحال هذا الوضع واتساعه، وتوطيده في الصحافة الوطنية، مرادف لإلغاء مقالات الردود والحوار والنقاش ، يشكل لها تهديدا ماحقا ، و علة قاتلة للصحة الإعلامية والثقافية والفكرية . وإلحاق أذى جسيم بالصحافة الوطنية ، وفاعلية التغيير الطبيعي الذي اتسمت به الصحافة عبر تاريخها العالمي ، وفي رصيدنا الوطني الغني . وهي مسؤولية جسيمة يصعب التنصل منها أمام التاريخ . وقد سقنا في المقال المذكور نماذج مؤسفة فضيعة لهذه الظاهرة الماحقة،
هذا السلوك الصحفي سبب كبير لبروز ظواهر وليست حالات ، خطيرة جدا، أهمها المعلومات الخاطئة ، وما سميناه في مقال سابق "جزاف القول " ، فتكون الصحافة غطاء أمان ليقول من يقول ما شاء أن يقول . وبهذا يبرز خطر العطب الفادح الذي تبدو عليه حالة الحقيقة " عبر الزمن . هذه الآفة الجسيمة التي تتسع رقعتها على نحو مفزع؛ لأنها تتعلق بصحة المعلومة ودقتها، سواء وردت في خبر أو رأي . وقد وَفّر طوفان الأنترنت بيئة ملائمة لاستفحالها .
كما يفاقم الخطورة في باب " الرأي" أن تشيع في مقالات وحوارات الأكاديميين والباحثين وكتاب رأي امشهورين في الصحف والمواقع . الذين تمثل ألقابهم وأسماؤهم ضمانة ثقة لدى القراء، فيتلقون " جزاف القول " منهم مسلمات وحقائق تشوه معارفهم وتضللها. مثال ما ألقاه أكاديمي جزائري في جامعة بريطانية في حوار مع صحيفة عربية كبيرة، و رغم تأليفه كتابا هاما عن بن نبي، يجازف قائلا :" ” وكان يجيد اللغات الألمانية والفرنسية والعربية، وهو ما سهل عليه قراءة فلسفة نبيتشة في لغتها الأصلية . وإقامة مالك في أندونيسيا ، وأنه تعلم في مدارس جمعية العلماء . وغيرها .
كما أغرت ملابسات كتاب " العفن" أحدهم فشكك في صحة نسبته لمالك، وانتهى إلى ترجيح أن مؤلفه أشهر مترجم لكتبه للعربية! ومنها ما ورد في مقال تباكي على "ضياع فكره بين أهله" رغم دوره في بناء معجزة سنغافورة ، وتدريس فكره في أرقى الجامعات الألمانية، وهو ما لم نهتد لأثر له عبر البحث بالترجمة باللغتين الألمانية والإنكليزية !
وانتهينا في مقالنا المذكور إلى نتيجة هي ؛ يجب لوقف هذه السيول المقيتة و هذا البلاء الذي يجتاح صحفنا ومواقعنا و قنواتنا فتح المجال للنقاش والردود عبر مساحات المقال و التعليق والتعقيب . و إخضاع المقالات قبل النشر لخبرة وفحص معلوماتها . ذكر الصحفي الكبير سمير عطاء الله الذي ظل يكتب عموده الصحفي في زاوية جريدة الشرق الأوسط منذ 1987 ،أن كبرى الصحف الغربية توظف بأجر عالى مدققا أو مراجعا لمعلومات المواد الإعلامية قبل نشرها ، يدقق في صحة المعلومات والبيانات مهما تبدو بسيطة أو ثانوية.
لقد تحولت تعليقات على مقالات صحفية كثيرة مثل " رأي اليوم " و"الشروق " و"القدس العربي " إلى مقالات ، تحول بعضها إلى رسائل وكتيبات .
إذن بمقتضى " ولاية المجتمع على الإعلام " يتوقع تمكينه من حقه، في التعليق على منشورات الصحف ، مع إجراءات تنظيمية ملائمة .

