1

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 167

بواسطة: بركة نيوز

بقلم  اسماعين  تماووست

بمجرد أن تلقيت الأمر بالمهمة الجديدة، اجتاحني شعور غريب من القلق والتوتر. لم يكن خوفًا عاديًا، بل كان اضطرابًا داخليًا، إحساسًا بأنني على وشك الدخول في منعطف مصيري، حيث تمتزج المسؤولية بالخطر، وحيث يصبح المستقبل مجهولًا ومفتوحًا على كل الاحتمالات. لم يكن بإمكاني التراجع أو حتى التفكير في رفض المهمة، فالواجب كان يناديني، وكان عليّ أن أواجهه مهما كانت العواقب.

وأنا في طريقي من حي شاتو نوف – الجزائر إلى مقر عملي في أمن دائرة بوفاريك، لم أكف عن الحديث إلى نفسي، أحاول تحليل ما ينتظرني. ما طبيعة هذه المهمة؟ لماذا أشعر بأنها مختلفة عن سابقاتها؟ هل هناك شيء ما في الكواليس لم يُكشف لي بعد؟ كنت أبحث عن أجوبة لكل هذه الأسئلة، لكنني لم أجد سوى المزيد من الغموض، كأنني كنت أسير نحو مصير مجهول لا يمكنني استيعابه بعد.

كنت أشعر أن هذه المهمة ليست عادية، فأطلقت عليها في ذهني اسم "طريق الموت". لم يكن هذا من باب التشاؤم، بل لأن كل تفاصيلها كانت تنذر بالخطر. ومع ذلك، لم يكن أكثر ما يخيفني هو الرصاص الذي قد يطلق علينا، ولا الكمائن التي قد تنصب لنا في الظلام، ولا حتى الموت المفاجئ الذي قد يكون مصير أي فرد منا. ما أرعبني أكثر هو إدراكي أننا نواجه بشرًا فقدوا إنسانيتهم بالكامل، أناسًا يقتلون بدم بارد، لا بدافع الخوف أو الاضطرار، ولكن بدافع الإيمان المطلق بالعنف كوسيلة لتحقيق أهدافهم.

كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من الوحشية؟ كيف يمكنه أن يسفك الدماء دون أن يرف له جفن؟ كنت أظن أنني، بحكم عملي في الأمن، رأيت كل شيء، لكن يبدو أنني لم أرَ سوى القليل مما تخفيه هذه الحرب القذرة. لقد عبرنا جميع الخطوط الحمراء، ولم يعد هناك مجال للحديث عن المنطق أو الأخلاق.

كنا نعيش في ظرف استثنائي، أزمة طغى فيها العنف على كل شيء. لم يعد هناك مجال للحلول الوسط، ولم يعد صوت الحكمة يجد له آذانًا صاغية. كان هناك من حاول، في أعلى هرم الدولة، أن يمد يده بالحوار، أن يبحث عن مخرج لهذه الفوضى التي نعيشها، لكن العدو كان قد قرر السير حتى النهاية، متشبثًا بأوهامه الدموية. لم يكن يريد التفاوض، بل كان يرى في الحرب غايته ووسيلته الوحيدة. وهكذا، تحولت الأزمة إلى كارثة، إلى حرب أهلية مزقت البلاد وأحرقت الأخضر واليابس.

كانت أصداء الماضي القريب تملأ رأسي. كم من الأرواح أُزهقت بلا سبب؟ كم من العائلات دُمرت في لحظة واحدة؟ كم من الأبرياء وجدوا أنفسهم وسط معركة لم يكونوا طرفًا فيها؟ لم يعد يهمني مصيري الشخصي بقدر ما كان يؤلمني أن أرى بلدي يغرق أكثر فأكثر في هذا الجحيم.

لم تكن العشرية السوداء مجرد فصل عابر في تاريخ الجزائر، بل كانت زلزالًا قلب الموازين، وجرحًا غائرًا في الذاكرة الجماعية. إنها ليست مجرد ذكريات مؤلمة، بل مرحلة كادت أن تعصف بأسس الدولة والمجتمع، مرحلة اختلط فيها الدم بالتراب، وتعالت فيها أصوات الرصاص على أي صوت آخر. ومع ذلك، لم تكن النهاية. لأن الحياة، بطبيعتها، لا تقف عند المحن، بل تفرض على أبنائها المضي قدمًا، مهما كانت الأعباء ثقيلة والظلال طويلة.

وسط الخراب، نهض الوطن، متكئًا على إرادة شعبه، وعلى أرواح من ضحوا لتبقى الجزائر واقفة. كان الطريق إلى النور وعرًا، مرصوفًا بالخوف والشك، لكنه لم يكن مستحيلًا. تصدعت جدران الرعب شيئًا فشيئًا، وبدأ صوت الأمل يتسلل إلى النفوس التي أنهكتها السنوات العجاف. كان هناك من آمن بأن الجزائر تستحق فرصة جديدة، وأن الجراح، مهما كانت عميقة، يمكن أن تلتئم.

لم يكن الخروج من العتمة مجرد قرار سياسي أو مسارًا حكوميًا، بل كان اختبارًا وجوديًا للجزائر: هل يمكن لبلدٍ أن ينهض بعد أن اقترب من الهاوية؟ الإجابة لم تأتِ في ليلة وضحاها، لكنها تجلّت في إرادة الجزائريين أنفسهم. الإصلاحات السياسية، المصالحة الوطنية، والبناء الاقتصادي كانت محطات مفصلية في رحلة التعافي. لكنها لم تكن مجرد سياسات على الورق، بل كانت صرخة مجتمع أراد أن يعيش، أن يحلم، أن يطمح لمستقبل مختلف.

في الأحياء التي كانت مسرحًا للعنف، عادت الحياة تدريجيًا، وفتحت المدارس أبوابها للأطفال الذين وُلدوا في زمن الدم والنار، وعادت العائلات إلى ممارسة طقوسها اليومية التي سُرقت منها لسنوات. لكن النهوض لم يكن سهلًا. كيف يمكن لأم فقدت ابنها أن تتجاوز الألم؟ كيف يمكن لطفل كبر على أخبار القتل أن يؤمن بالمستقبل؟ كيف يمكن لشابٍ ترعرع في خوف أن يصدق أن الغد سيكون أفضل؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد نظريات، بل كانت واقعًا يعيشه الجزائريون يومًا بعد يوم.

لقد كانت المصالحة الوطنية حجر الأساس في استعادة التوازن. لم يكن الأمر سهلًا، فالغفران يتطلب شجاعة، والمضي قدمًا يحتاج إلى قوة تتجاوز الألم الشخصي. اختارت الجزائر ألا تكون رهينة ماضيها، بل أن تتعلم منه، أن تحفظ ذكرى الشهداء دون أن تجعلها قيدًا يعيق تقدمها.

لكن، هل انتهت الرحلة؟ هل يمكن لأمة أن تتجاوز ماضيها دون أن تحمله في طياتها؟ لا شك أن الندوب باقية، تذكر الجميع بثمن الأمن والاستقرار. ومع ذلك، فإن الجزائر اليوم ليست تلك الجزائر التي نزفت في التسعينيات. إنها جزائر تبحث عن مستقبلها، تتعثر أحيانًا، لكنها ترفض السقوط.

لم تكن السنوات الماضية مجرد استعادة للحياة، بل كانت إعادة تعريف للهوية الوطنية، إعادة بناء للثقة بين المواطن والدولة، وبين الجزائري ونفسه. لقد أدرك الجميع أن الاستقرار ليس أمرًا مُسلّمًا به، بل هو ثمنٌ يجب أن يُحفظ. لم يعد الأمن مجرد غياب للعنف، بل أصبح مساحة تسمح بالحلم، بالتطور، بالعيش بكرامة.

اليوم، بعد عقود من الألم، تقف الجزائر أمام تحديات جديدة، اقتصادية واجتماعية وسياسية. لكن الفرق بين الماضي والحاضر هو أن الجزائر، برغم كل شيء، باتت تدرك أنها قادرة على الصمود، على تجاوز العواصف، وعلى بناء مستقبلها بيد أبنائها.

"الطريق إلى النور" ليس شعارًا، بل مسيرة مستمرة، يكتبها كل من يختار البناء بدل الهدم، والتسامح بدل الانتقام، والعمل بدل الاستسلام. إنه وعدٌ للأجيال القادمة، بأن الشمس، مهما طال الغروب، تشرق دائمًا.

كنت أعلم أنني على وشك دخول معركة غير متكافئة، حيث لا قانون يحكم، ولا رحمة تُمنح، حيث أصبح العنف هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع. لكن السؤال الذي ظل يطاردني هو: هل سأتمكن من الاحتفاظ بإنسانيتي وسط هذا الجنون؟ أم أنني، عاجلًا أم آجلًا، سأجد نفسي جزءًا من هذه الدوامة التي تبتلع كل من يقترب منها؟

كل هذه الأفكار كانت تلاحقني وأنا أقترب من وجهتي، حيث ينتظرني قدر لم يعد بوسعي تغييره.

يتبع...

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services