1
0
رغم الانهيار الجزئي لمئذنته...مسجد سيدي محمد الشريف ارث يأبي الزوال

شهد حي القصبة العتيق بالعاصمة، أمس الاثنين، حادث انهيار جزء من مسجد سيدي محمد الشريف، إذ طال الانهيار مئذنته دون تسجيل أي خسائر بشرية.
نسرين بوزيان
تأتي هذه الحادثة في وقت تخضع فيه المدينة لبرنامج شامل لترميم وإعادة تأهيل معالمها الدينية والتاريخية، ضمن المخطط الدائم لحفظ واستصلاح القطاع المحفوظ للقصبة، الهادف إلى صون التراث الثقافي والديني للمنطقة وضمان استدامته للأجيال القادمة.
وقد أعاد هذا الحادث طرح مسجد سيدي محمد الشريف كأحد أبرز معالم القصبة الدينية والتاريخية.

يعد مسجد سيدي محمد الشريف أكثر من مجرد معلم ديني؛ فهو منارة تعليمية وثقافية واجتماعية لعبت أدوارا متشابكة بين العبادة والتعليم والخدمة المجتمعية.
فقد كان المسجد منبرا لحفظ القرآن الكريم، ومركزا لإدارة أموال الأوقاف، وفض النزاعات والمنازعات إلى جانب دوره البارز في نشر العلوم الدينية والثقافية بين أفراد المجتمع.
سيرة سيدي محمد الشريف الزهار
ينتمي سيدي محمد الشريف الزهار إلى نسب طويل يروي تاريخ عائلته الزاخر بالعلم والورع، فهو محمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عيسى بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن عبد الكريم بن محمد بن محمد بن عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن رزقي بن عيسى بن سالم بن مروان بن حيدرة بن علي بن محمد بن عبد الله بن داود بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن بن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن فاطمة رضي الله عنها.
توفي سنة 948هـ/1542م، ودفن في ضريحه المعروف داخل المسجد، حيث يذكر النقش المحفور على الضريح وفاته وعهده في زمن الآغا محمد حسن، معبرا عن الزهد والورع ومكانته العلمية والدينية.
موقع المسجد وتأسيسه

يقع مسجد سيدي محمد الشريف في قلب القصبة، تحديدا في شارع الإخوة بشارة، وقد كان يعرف سابقا بزاوية سيدي محمد شريف، ويتواجد ضريح سيدي محمد الشريف داخل المسجد.
لم يحدد تاريخ بناء المسجد بدقة، إلا أن بعض المصادر تشير إلى أن إنشاؤه يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، وأنه بدأ كمزار صغير قبل أن تضاف إليه قاعة الصلاة والملحقات الأخرى.
وقد تم تصنيف المسجد ضمن التراث العالمي من قبل منظمة اليونيسكو لما يمتاز به من قيمة تاريخية وثقافية ومعمارية، كما دعا إليه بعض الباحثين لتوثيق مكانته.
أصل تسمية المسجد

تشير الدراسات التاريخية إلى أنه خلال العهد العثماني كانت تسمية المساجد غالبا مرتبطة برجال صالحين مثل سيدي محمد شريف وسيدي عبد الله، وأحيانًا بمؤسسيها مثل علي بتشين وعبد الله صفر، أو بالحرفيين الذين يرتادون هذه المساجد، أو حسب موقعها المتميز في المدينة.
وتعكس هذه التسميات احترام المجتمع للأشخاص الذين تركوا أثرا واضحا في الحياة الدينية والثقافية.
تحفة أندلسية مغاربية
يمتاز مسجد سيدي محمد الشريف بهندسة أندلسية ومغاربية تجسد روح العمارة الإسلامية في الجزائر، ويشمل المسجد قاعة صلاة بسيطة ومتواضعة تعلوها مئذنة مثمنة الشكل وقليلة الارتفاع، ويتوسطه ضريح الولي الصالح سيدي محمد الشريف، تعلوه قبة بسيطة، ويتوسط فناء يضم قبور بعض أعيان المدينة.
ويعلو سقف المسجد قبة ترتكز على ثلاثة أعمدة حجرية، أما المحراب فهو مصنوع من الخزف الأبيض والأزرق، فيما يزين مدخله نافورة بلوحة فسيفساء قديمة ومظلة مزخرفة تعكس براعة الحرفيين الجزائريين في تلك الفترة.
مسجد سيدي محمد الشريف تحت الاحتلال
مع بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، استولت السلطات العسكرية على مسجد سيدي محمد الشريف وحولته إلى مدرسة، مع إدخال بعض التعديلات على هيكله.
ورغم هذه التغيرات، استمر المسجد في أداء دوره الديني والاجتماعي بفعالية، وقد وثق المؤرخون الفرنسيون أن الزاوية كانت تقدم المساعدات للفقراء، وتنظم الاحتفالات التعليمية والدينية، وتوفر الرعاية للعلماء المتخصصين في دراسة العلوم الشرعية، ما يعكس استمرارية الروحانية وأهمية المكان الاجتماعية حتى في ظل فترة الاحتلال.
إعادة بناء المئذنة بتصميمها الأصلي

أعلنت مصالح ولاية الجزائر، في بيان لها مساء الاثنين، فتح تحقيق تقني معمق لتحديد الأسباب الدقيقة للانهيار الجزئي الذي طال مئذنة المسجد.
وأكدت الولاية أن المسجد كان موضع أشغال ترميم دقيقة ومعقدة نظرا لوضعيته المتدهورة، حيث بلغت نسبة تقدم الأشغال حوالي 35%.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن سبب الحادث يعود إلى هشاشة البنية التحتية للمئذنة نتيجة تقادمها وتعرضها لعوامل التعرية الطبيعية على مر السنين.
وفور وقوع الانهيار، تحركت المصالح المختصة لتأمين الموقع واتخاذ كافة التدابير الوقائية اللازمة، وشددت الولاية على أنها ستعمل على إعادة بناء المئذنة وفق تصميمها المعماري الأصلي، حرصا على الحفاظ على الهوية التاريخية والدينية للمسجد، مع التزامها بضمان سلامة المواطنين وصون التراث العمراني والتاريخي للعاصمة.

في الختام، يظل مسجد سيدي محمد الشريف رمزا حيا لإرث القصبة الثقافي والديني وروحانيتها العميقة.

