12

0

ملف صوت فلسطين والأسرى فى السجون والمعتقلات الصهيونية

الجزائر صوت أسرانا الى العالم وبكل اللغات

 

"ذرة تراب على جبين عاشق": "سِيَرٌ تتناثر كغبار الذاكرة: حين يتحوّل التوثيق إلى شعرٍ خفي"

 

بقلم / بن معمر الحاج عيسى - الجزائر 

 

في كتاب "ذرة تراب على جبين عاشق"  للكاتبة مريم اللبدى، لا نقف أمام عمل أدبي تقليدي يتكئ على بنية سردية واضحة أو حبكة متنامية، بل نحن بإزاء نصّ هجين يتقاطع فيه التوثيق بالسيرة، والذاكرة بالهوية، والكتابة بوصفها فعل مقاومة ناعم في وجه النسيان. إن هذا العمل، في جوهره، ليس مجرد تجميع لسير ذاتية متفرقة، بل هو محاولة واعية – وإن بدت تلقائية – لبناء أرشيف إنساني موازٍ، تُكتب فيه الحيوات الصغيرة بلغة كبيرة، ويُعاد الاعتبار للأفراد بوصفهم نصوصًا قائمة بذاتها.

أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو طبيعته التركيبية؛ إذ لا يعتمد على وحدة صوت سردي واحدة، بل يقدّم فسيفساء من الأصوات، كل سيرة فيها تشكّل شظية من مرآة أكبر تعكس تجربة إنسانية فلسطينية وعربية ممتدة في الجغرافيا والتاريخ. هذا التعدد الصوتي لا يُعدّ خللًا بنيويًا، بل هو في ذاته موقف جمالي، حيث تتحول الذات الجمعية إلى بطل خفي، وتتراجع الفردية لصالح نوع من "الوعي المشترك" الذي يتسلل بين الأسطر.

 

من الناحية الأسلوبية، يتراوح النص بين لغة تقريرية أقرب إلى السيرة الذاتية الكلاسيكية، ولغة شعرية تتسلل خفية في بعض المقاطع، خاصة في الإهداء أو في توصيف التجارب الإنسانية العميقة. هذه الازدواجية الأسلوبية تخلق نوعًا من التوتر الجمالي؛ فالقارئ ينتقل من جفاف المعلومة إلى دفء الشعور، ومن التوثيق الصارم إلى الانفعال الإنساني. ورغم أن هذا التباين قد يبدو في بعض المواضع غير منضبط، إلا أنه يعكس صدق التجربة أكثر مما يعكس خللًا فنيًا، لأن النص هنا لا يدّعي الكمال بقدر ما يسعى إلى التقاط الحياة كما هي: متناقضة، متداخلة، وغير مكتملة.

أما من حيث البناء، فإن غياب الحبكة أو التسلسل السردي لا يُعدّ نقصًا، بل هو خيار ضمني ينسجم مع طبيعة العمل. فالسير الذاتية، كما قُدّمت، لا تبحث عن ذروة أو نهاية، بل تكتفي بتسجيل الأثر. كل سيرة هي لحظة زمنية مكثفة، أشبه بصورة فوتوغرافية تُجمّد تجربة إنسانية في إطار لغوي. وهذا ما يمنح الكتاب طابع "الأرشيف الشعوري"، حيث تتحول التفاصيل اليومية – الدراسة، العمل، الهجرة، الإنجاز – إلى علامات دالة على مسارات وجودية أعمق.

 

في مستوى الدلالة، يشتغل النص على ثيمة مركزية هي "الهوية في المنفى". فمعظم الشخصيات تنتمي إلى فضاء فلسطيني، لكن حضورها يمتد إلى أماكن متعددة: كندا، أوروبا، الولايات المتحدة، وغيرها. هذا التشتت الجغرافي لا يُقدَّم بوصفه ضياعًا، بل بوصفه امتدادًا للذات. وكأن الكاتب (أو المُعدّ) يقول إن الهوية ليست مكانًا، بل تجربة محمولة في اللغة والذاكرة. هنا تتحول السيرة إلى فعل مقاومة رمزية، حيث يُعاد تثبيت الانتماء عبر الكتابة.

ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن الكتاب يطرح سؤالًا ضمنيًا حول "قيمة الفرد العادي". فالشخصيات المعروضة ليست بالضرورة شخصيات تاريخية كبرى، بل أفراد عاشوا تجاربهم الخاصة وتركوا أثرًا في محيطهم. هذا التوجّه ينسجم مع تيار حديث في الأدب يُعيد الاعتبار للهامشي واليومي، ويرى في التفاصيل الصغيرة مادة خامًا للمعنى. غير أن هذا الطرح كان يمكن أن يكتسب قوة أكبر لو تمّ تعميق البعد السردي لكل سيرة، بدل الاكتفاء بعرض معلوماتي في بعض الأحيان.

من حيث اللغة، يلاحظ القارئ وجود اضطراب طباعي ولغوي في النص، سواء على مستوى التشكيل أو ترتيب الكلمات، وهو ما يؤثر جزئيًا على سلاسة القراءة. لكن إذا تجاوزنا هذا الجانب التقني، نجد أن اللغة في جوهرها صادقة وغير متكلفة، تميل إلى البساطة المباشرة، وتبتعد عن الزخرفة البلاغية المفرطة. وهذه البساطة، رغم ما قد تحمله من محدودية، تمنح النص نوعًا من الشفافية التي تجعله قريبًا من القارئ.

إحدى النقاط اللافتة أيضًا هي حضور المرأة بشكل واضح في هذا العمل، سواء ككاتبة أو كشخصية محورية في السير. هذا الحضور لا يُقدَّم بوصفه قضية نسوية صريحة، بل بوصفه واقعًا طبيعيًا، حيث تظهر المرأة كفاعل ثقافي واجتماعي، تكتب، تدرّس، تناضل، وتبدع. وهذا الطرح الهادئ يعكس تحولًا في الوعي الأدبي، حيث لم تعد المرأة موضوعًا للكتابة فقط، بل أصبحت منتجة لها.

في المقابل، يمكن توجيه بعض الملاحظات النقدية للعمل، أبرزها غياب الرؤية التحريرية الموحدة. فبما أن الكتاب قائم على تجميع سير متعددة، كان من الممكن أن يتدخل المُعدّ بشكل أعمق لإعادة صياغة النصوص ضمن إطار أسلوبي وبنائي أكثر انسجامًا. كذلك، يلاحظ غياب التعليق النقدي أو التحليل داخل السير، حيث يكتفي النص بعرض الوقائع دون تفكيكها أو تأويلها، مما يجعل القارئ في بعض الأحيان متلقيًا سلبيًا بدل أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى.

كما أن الاعتماد الكبير على السرد التقريري يجعل بعض المقاطع أقرب إلى السيرة المهنية (CV) منها إلى النص الأدبي. وهذا يطرح سؤالًا حول الحدود بين الأدب والتوثيق: متى تتحول السيرة إلى نص أدبي؟ ومتى تبقى مجرد تسجيل معلوماتي؟ في هذا الكتاب، نجد أن الإجابة غير محسومة، وهو ما يمنح العمل طابعه الخاص، لكنه في الوقت ذاته يضعه في منطقة رمادية من حيث التصنيف.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار القيمة الإنسانية لهذا العمل. فبعيدًا عن المعايير الصارمة للنقد الأدبي، ينجح الكتاب في تحقيق هدف أساسي: حفظ الذاكرة. إنه يدوّن حيوات كان يمكن أن تُنسى، ويمنحها حضورًا لغويًا يجعلها قابلة للاستمرار. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتُمحى فيه التفاصيل بسرعة، يصبح هذا النوع من الكتابة ضرورة ثقافية قبل أن يكون خيارًا فنيًا.

في النهاية، يمكن القول إن "ذرة تراب على جبين عاشق" هو كتاب يقع عند تقاطع الأدب والتوثيق، يحمل في داخله تناقضاته الخاصة، لكنه ينجح في خلق أثر إنساني واضح. هو ليس نصًا مكتمل الأدوات من الناحية الفنية، لكنه نص صادق، والصدق – في كثير من الأحيان – أكثر تأثيرًا من الكمال. إنه كتاب يُقرأ لا بوصفه عملًا أدبيًا فقط، بل بوصفه شهادة على زمن، وعلى أناس قرروا أن يتركوا أثرًا، ولو كان بحجم "ذرة تراب"… لكنها، في سياق الذاكرة، أثقل من أن تُمحى.





 

المقصلة بين زمنين: من أحمد زبانة إلى مشرعة الإعدام… هل خمدت جذوة الثورة أم تتخفى؟

 

بقلم: د. رائد ناجى

 

ليست المقصلة مجرد أداة قتل، بل هي اختزال فظ لجوهر السلطة حين تبلغ ذروة عجزها عن إخضاع الروح. هي لحظة اعتراف غير معلن بأن الجسد يمكن أن يسقط، لكن الفكرة عصية على الإلغاء. من هنا، لا يمكن قراءة مشهد إعدام الشهيد أحمد زبانة في الجزائر إلا بوصفه افتتاحا دمويا لمرحلة أرادها الاستعمار الفرنسي رادعة، فإذا بها تتحول إلى شرارة وعي متقد. واليوم، ونحن أمام قوانين يسنها الاحتلال لإعدام الأسرى الفلسطينيين، يعود السؤال ذاته في صيغة أكثر مرارة: هل المقصلة تنهي الثورة، أم تعيد صياغتها في وجدان أكثر صلابة؟

حين صعد أحمد زبانة إلى المقصلة، لم يكن مجرد فرد يواجه مصيره، بل كان تمثيلا مكثفا لشعب قرر أن يستعيد ذاته من براثن الاستلاب. المقصلة يومها لم تكن نهاية، بل كانت بداية لمرحلة جديدة من الوعي الجمعي. لقد فهم الجزائريون، بحدس التاريخ، أن الدم المسفوح ظلما لا يضيع، بل يتحول إلى لغة أخرى، لغة لا تفهمها الجيوش ولا تدركها القوانين، لكنها تسري في الذاكرة وتعيد تشكيل الإرادة.

المفارقة أن الاستعمار، في كل تجلياته، يكرر الأخطاء ذاتها. يظن أن أدوات القمع، مهما بلغت من قسوة، قادرة على كسر المعنى الكامن في فعل المقاومة. لذلك، حين يشرع الاحتلال قوانين لإعدام الأسرى، فهو لا يبتدع شيئا جديدا، بل يستعيد أرشيفا قديما من العنف الذي أثبت التاريخ محدوديته. فالقانون هنا لا يعبر عن عدالة، بل عن خوف. خوف من أسير أعزل، لكنه محمل برمزية تفوق في تأثيرها ترسانة كاملة.

إن المقصلة الحديثة، وإن اختلفت أدواتها، تشترك مع سابقتها في الجوهر: محاولة تحويل الإنسان إلى رقم، وإلغاء البعد الرمزي لوجوده. غير أن التجارب التحررية، من الجزائر إلى فلسطين، تؤكد أن هذه المحاولة تنقلب غالبا على أصحابها. فكل حكم إعدام يتحول، في الوعي الجمعي، إلى شهادة إضافية على شرعية القضية، وإلى وقود جديد لاستمرارها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ما زالت جذوة الثورة متقدة كما كانت في زمن أحمد زبانة؟ أم أن التحولات السياسية والاجتماعية أضعفت ذلك الوهج؟

الإجابة ليست بسيطة، لأن الثورة لم تعد ذلك الفعل الكلاسيكي الذي يتجلى في البندقية وحدها. لقد تغيرت أشكالها، وتعددت أدواتها، وأصبحت أكثر تعقيدا. قد تبدو في لحظة ما خافتة، أو متراجعة، لكنها في العمق تعيد ترتيب ذاتها. فالثورة، في جوهرها، ليست حدثا عابرا، بل سيرورة طويلة من التراكمات، تتخللها لحظات صعود وهبوط.

في الحالة الجزائرية، لم تكن المقصلة نهاية، بل كانت جزءا من مسار طويل انتهى بالتحرر. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العوامل الاقليمية والدولية، وتعدد موازين القوى. ومع ذلك، فإن الرهان على إخماد الروح المقاومة عبر قوانين الإعدام يبدو رهانا خاسرا، لأن الذاكرة الفلسطينية، كما نظيرتها الجزائرية، تختزن من التجارب ما يجعلها قادرة على إعادة إنتاج ذاتها.

إن الاحتلال، حين ينصب مقصلته، يظن أنه يفرض النهاية. لكنه في الحقيقة يكتب فصلا جديدا من الرواية التي لا يملك السيطرة على مسارها. فكل أسير مهدد بالإعدام يتحول إلى رمز، وكل رمز يفتح أفقا جديدا للمعنى. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أدوات القمع، التي يفترض أن تغلق الدائرة، هي ذاتها التي توسعها.

لا يعني ذلك أن الطريق مفروش باليقين. فالتحديات حقيقية، والانهاك الذي يصيب المجتمعات تحت الاحتلال ليس وهما. هناك لحظات شك، وتراجع، وربما انكسار. لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تمتلك سرديتها الخاصة، والتي تحفظ أسماء شهدائها، لا تموت بسهولة. قد تتعثر، لكنها لا تفقد بوصلتها.

من أحمد زبانة إلى الأسرى الفلسطينيين، تمتد خيوط سردية واحدة: سردية الإنسان الذي يرفض أن يكون مجرد موضوع للسلطة. المقصلة، في كلتا الحالتين، تكشف حدود القوة، لا مطلقها. فهي تعلن، بشكل غير مباشر، أن السلطة وصلت إلى أقصى ما تملك، ولم يبق لها إلا أن تقطع الرأس، لأنها عجزت عن كسر الفكرة.

هل خمدت جذوة الثورة؟ ربما تغير شكل لهبها، وربما تراجعت حدته في بعض اللحظات، لكنها لم تنطفئ. إنها، على العكس، تتخفى في طبقات الوعي، تنتظر لحظتها لتعود أكثر اشتعالا. فالثورات الحقيقية لا تموت بالمقصلة، بل تولد منها من جديد، في كل مرة يظن فيها الجلاد أنه أنهى الحكاية.



 

 

ارتفاع عدد الأسيرات إلى 90 أسيرة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي

 

قال نادي الأسير إنّ سلطات الاحتلال تواصل تصعيدها في استهداف النساء عبر عمليات اعتقال ممنهجة ومتواصلة.

وأوضح في بيان صدر اليوم الأربعاء، أنّ عدد الأسيرات ارتفع خلال شهر نيسان/أبريل الجاري إلى 90 أسيرة، مشيراً إلى أنّ هذا العدد سُجل سابقاً في أوج عمليات الاعتقال في الضّفة في بداية جريمة الإبادة الجماعية واستهداف كذلك النساء في غزة.

وبيّن أن غالبية الأسيرات محتجزات في سجن “الدامون”، ومن بينهن طفلتان، وأسيرة حامل في شهرها الثالث، و25 معتقلة إدارية، وثلاث صحفيات، إضافة إلى أسيرتين مصابتين بالسرطان، وأسيرتين معتقلتين منذ ما قبل الحرب.

وأكد أن الأسيرات يواجهن ظروف اعتقال قاسية تشمل التجويع، والحرمان، والإهمال الطبي، والتنكيل، إلى جانب العزل والاعتداءات، بما فيها سياسة التفتيش العاري.

ولفت إلى أن معظم الاعتقالات تتم بذريعة “التحريض”، وأن عدد حالات اعتقال النساء منذ بدء الحرب تجاوز 700 حالة، تشمل الضفة الغربية بما فيها القدس، وداخل أراضي عام 1948، مع غياب إحصاءات دقيقة لاعتقالات غزة.

وأضاف أن هذا التصعيد يأتي في واحدة من أكثر الفترات دموية بحق النساء الفلسطينيات، في ظل استمرار الانتهاكات الجسيمة، بما فيها الاعتداءات الجسدية والجنسيّة واحتجاز نساء كرهائن للضغط على عائلاتهن.




 

دراسة حول كتاب الأديبة الأستاذة: رجاء يوسف عبد الشوامرة، والدي الأستاذ يوسف عبد الشوامرة

 

بقلم  : يوسف الشوامرة -  الخليل 



(مِن جدران الذَاكرة الموجعة جاءت فلسطين ) 

دراسة في كتاب ذاكرة صعبة النسيان

على ضفاف ذلك الوطن الفلسطيني الحزين، الذي يحمل في طيّاته الكثير من الآلام والأماني البعيدة، تتكاثر القصص التي تمثّل واقع فلسطين؛ واقع النجاة بين الكاتب والقارئ، لكسر حاجز الصمت الذي نال من الذاكرة المتعبة، ومن أزيز الكلمات التي تعصف به عصفًا. فالكلمة هي وحدها التي قد تُنجي صاحبها من القتل، وهي ذاتها التي قد تقوده إليه. فالحقّ واحد، وليس مجرد أوراق تُتلى؛ بل هو استعدادٌ لمواجهة ذلك الحقد الأسود، حتى تصدع الأوراق بحنجرتها، ويكون هناك وطن... فلسطين، صغيرةً وحيدةً، بعيدًا عن كل تلك الأحداث الدامية.

كتاب ذاكرة صعبة النسيان هو كتاب بدأ بملامسة حقيقة الواقع، من خلال مثال: «قصة إنهم يأكلون الجماجم». وهي صورةٌ تُجسّد انحدارًا إنسانيًا، يُستدعى فيها مشهد من قصة النبي يحيى عليه السلام، حين قُطع رأسه، وشُرب في جمجمته الخمر. وكذلك الفلسطيني الذي يمتلك ذاكرة، يتناوب المحتل على سحقها، وتحويلها إلى فتات.

«إنهم يأكلون الجماجم» تحكي عن شاب في مقتبل عمره، لا يزال في ريعان شبابه، لكن ذاكرته حيّة بوطنه الفلسطيني وترابه. أيقظته ذاكرته بعدما رأى المحتل في مخيمه الذي عاش فيه منذ نعومة أظفاره، وبقي صدى صوت الوطن يناديه ويستغيث به، حتى قضى نحبه، بعدما التهمت الجنود ذاكرته التي كانت تحمل صوت القضية الفلسطينية.

إنهم يأكلون الجماجم؛ لا لشيء إلا ليميتوا القضية الفلسطينية في الذاكرة، ويسحقوها، ويحوّلوها إلى فتاتٍ لا قيمة له.

هنالك الكثير من القصص التي سُردت على أعقاب الحرب، التي أرهقت وأتعبت الذاكرة، لكنّ الذاكرة تبقى عصيّةً على الانكسار.

كيف ينسى المرء من غاب عن الحياة من عينه؟

فالوطن كلّه دماء، والشهداء يتساقطون كأوراق الخريف، والقيود تلتهم أعمار الشباب.

وفي قصةٍ أخرى، «لعلّنا ننجو»، تحمل صفحاتها حكاية النزوح من مخيم إلى مخيم، وكيف تختفي العائلة في لمح البصر، ويبقى من بعدهم من يتجرّع الألم والعذاب، حتى لا يعود قادرًا على التحليق كما كان من قبل.

تُنتزع العائلة بعدما كانت آمنة.

ويبرز التركيز الأكبر على المخيمات، لأنها أصل القضية الفلسطينية، ومنبع الحكايات؛ فمن هنا ينطلق الفلسطيني ليكون له صوتٌ مسموع، وحلمٌ مرئي. فالمخيم ليس مجرد مكانٍ لمن نزحوا من بلادهم، بل هو شاهدٌ وشهيد على القضية الفلسطينية، حيث تركوا خلفهم وطنًا، وحملوا في صدورهم ذاكرته.

وبقي من خرج إلى المخيم يمهّد الطريق للأجيال، حتى لا يُترك الوطن فريسةً للجدار والسياج.



 

 

(الشرفاء)   !!!

      

بقلم : زياد أبوصالح / فلسطين 

 

لم يكن الفجر في القرية يأتي محمّلًا بالرجاء، بل كان يجيء مثقلاً بوجوهٍ شاحبة، وأبوابٍ مغلقة، وجيوبٍ خاوية. هناك، في زقاقٍ ضيّق، كان "أبو خالد" يجلس كل صباح أمام بيته، يحدّق في الطريق، كأنّه ينتظر رزقًا تأخّر كثيرًا.

ثلاث سنواتٍ مرّت عليه وهو عاطل عن العمل. ثلاث سنواتٍ من الانتظار، من الطرق على الأبواب، من الوعود التي لا تصل، ومن الديون التي تتكاثر كالغبار فوق كتفيه.

كان قد باع سيارته، ثم باع أثاثًا من بيته، حتى لم يبقَ إلا ما لا يُباع: نظرات أطفاله الجائعة.

في الليل، كانت زوجته تسأله بصوتٍ خافت:

— "معك شيء للغد؟"

فيهزّ رأسه بصمت، لأن الكلمات صارت أثقل من أن تُقال.

لم يكن وحده.

القرية كلها كانت تغرق في الحكاية ذاتها:

رجالٌ يستدينون من البقالة، وأسماءٌ تتراكم في دفاتر الديون، ومحاكم تنتظر تحصيل ما لا يُحصّل.

وحين ضاقت الأرض، اتّسعت المخاطرة.

لم يعد أمام "أبو خالد" وأمثاله إلا طريقٌ واحد: العبور خلسةً إلى حيث العمل… حيث الخطر.  خرجوا من بيوتهم  يحملون وجعهم  على أكتافهم  ، ويتركون خلفهم أطفالاً ينامون  على وعد الغد  .

في تلك الليلة، لم يكن الاتفاق كما ظنّوا.

لم تكن هناك سيارات عادية. كانت شاحنة… شاحنة قمامة. نظر بعضهم إلى بعض، تردّدوا لحظة، لكن الجوع كان أسرع من التردد. صعدوا. ثمانيةٌ وستون رجلًا، حشروا أجسادهم بين الروائح الخانقة، بين العتمة والاختناق، وبين خوفٍ لا يُرى. وحين أغلقت  الأبواب  ، شعر  " أبا خالد " ومن معه  أن العالم كله  قد أغلق  في وجوههم  . ومضت الساعات بطيئة… الروائح  تخنق  ، والهواء ينفد  ،  والوجوه  تبهت ، والوقت يتحول  إلى سكين  بطيء .

أربعة ساعاتٍ من العتمة والروائح التي لا تُحتمل.

أحدهم  بدأ  يقرأ  آيات بصوت مرتجف  ، وآخر كان  يضحك .. ضحكةً تشبه البكاء .لم يكن أحدٌ منهم يفكر في الموت ، بل كانوا  جميعاً يفكرون  في الحياة.

وحين توقّفت الشاحنة، لم يكن الخروج نجاة. سقط بعضهم مغشيًّا عليه، وأُمسك بالباقين. ضربٌ، إهانات، اعتقالات  وغرامات… كأنّهم اقترفوا جريمة، لا أنهم بحثوا عن لقمة خبز.

وفي زاويةٍ ما، جلس "أبو خالد"، يضمّ صدره بيدٍ مرتجفة، ويتمتم: "لم نطلب سوى العمل…"

في الصباح، امتلأت  أجهزة التواصل الاجتماعي بكلماتٍ قاسية. سخر البعض، وتهكّموا، وتناسوا أن الجوع لا يُرى في الصور، وأن الكرامة حين تُحاصر، تبحث عن أي منفذ. لكن الحقيقة كانت أبسط من كل ذلك: هؤلاء لم يكونوا ضعفاء… كانوا شرفاء.

رجالٌ رفضوا أن يمدّوا أيديهم،فاختاروا أن يغامروا بأرواحهم بدل أن يبيعوا كرامتهم.

عاد  " أبو خالد " في تلك الليلة، مكسور الجسد، لكنه لم يكن مكسور الروح. نظر إلى أطفاله النائمين، وقال في نفسه: "سأحاول مرةً أخرى…" لأن الجوع لا ينتظر، ولأن الكرامة، حين تكون حقيقية، لا تنكسر… حتى لو مرّت من شاحنة قمامة. وحين تضيق الحياة، لا يُقاس شرف الإنسان بما يمرّ به، بل بما يرفضه… رفضوا  الذل  فبقوا شرفاء ... وهؤلاء ذهبوا يفتشون عن حياة بها كرامة ... فلم يجدوها سوى في شاحنة لنقل القمامة .!






 

 

منذ إقراره… قانون إعدام الأسرى بلا رادع دولي

 

أكد مركز فلسطين لدراسات الأسرى أن أكثر من  20 يوماً مرت على مصادقة الاحتلال على ما يسمى “قانون إعدام الأسرى” بالقراءتين الثانية والثالثة، دون وجود أي مؤشرات أو مواقف واضحة تشير إلى إمكانية وقف ما وصفه بـ”المجزرة القادمة” بحق الأسرى الفلسطينيين.

وأوضح المركز في بيان صحفي أن الكنيست الإسرائيلي صادق في 30 مارس الماضي على القانون، في خطوة خطيرة تفتح الباب أمام شرعنة قتل الأسرى، مشيراً إلى أن موجة واسعة من الإدانات الدولية والعربية أعقبت إقراره، واعتبرته مخالفاً لمبادئ حقوق الإنسان والأعراف القانونية والأخلاقية.

وأضاف أن تلك المواقف، رغم اتساعها، لم تترجم حتى الآن إلى خطوات عملية، حيث لم يظهر خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أي حراك فاعل أو ضغط حقيقي يمكن أن يدفع نحو وقف أو إلغاء القرار.

من جهته، قال مدير المركز رياض الأشقر إن الإدانات والبيانات الإعلامية لم تعد كافية لردع الاحتلال، الذي يتعامل مع نفسه كدولة فوق القانون، مؤكداً أن المرحلة تتطلب إجراءات أكثر جدية على المستويات القانونية والدبلوماسية والشعبية.

وأشار الأشقر إلى أن المواقف الدولية، بما فيها تلك الصادرة عن البرلمان الأوروبي وعدد من الدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، تحتاج إلى ترجمة فعلية على الأرض، بما يجبر الاحتلال على إعادة النظر في تنفيذ القانون.

واعتبر أن هذا القانون يشكل تحدياً صريحاً للإرادة الدولية، وأن مواجهته تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية المؤسسات الدولية وقدرتها على حماية مبادئ العدالة وحقوق الإنسان، محذراً من أن الفشل في ذلك يفقد هذه المؤسسات شرعيتها الأخلاقية.

وبيّن الأشقر أن إقرار القانون يعكس نهجاً متراكماً من السياسات العنصرية، ويأتي في سياق أوسع يشمل ما وصفه بحرب الإبادة في قطاع غزة، وسياسات التهجير ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، والانتهاكات في القدس.

وختم بالتأكيد على أن القانون يؤسس لمرحلة جديدة من “الإرهاب الرسمي المنظم”، عبر محاولة نزع الشرعية عن الأسرى الفلسطينيين وتصنيفهم كمجرمين، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته والتحرك الجاد لوقف هذا القانون.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services