3548

3

كثرة القوانين ليست دليل فساد... وزراعة القيم دواء المجتمعات

 

 

بقلم  جلول شداد
ثمة مفارقة لافتة تستوقف كل من يتأمل واقع المجتمعات الحديثة: كلما ازداد عدد القوانين وتشعبت تفاصيلها وتكاثرت مواده وعقوباته، كلما كان ذلك مؤشراً صارخاً على أن شيئاً فاسداً يسري في جسد ذلك المجتمع كالسرطان.

فالقانون في حقيقته ليس سوى استجابة طارئة لغياب شيء أعمق وأثبت وأبقى، هو القيمة الإنسانية والمبدأ الأخلاقي الراسخ في الوجدان.
لا أحد يقول إن القوانين شر مطلق أو أن المجتمعات يمكن أن تقوم دون ضوابط تنظم العلاقات بين الناس. فلكل جماعة بشرية نظامها الذي يحكمها، ولكل مجتمع حدوده التي تصون حقوق أفراده.

غير أن المسألة الجوهرية تكمن في السؤال الأعمق: هل يمتنع الإنسان عن الخطأ خوفاً من العقوبة، أم لأن نفسه تأبى الخطأ أصلاً؟
الفرق بين الحالتين هو الفرق بين السجن والحرية، بين الإكراه والاختيار، بين الإنسان الخائف والإنسان الفاضل.
حين يحكم الخوف لا الضمير
المجتمع الذي يعتمد على القانون وحده لردع أفراده يشبه السد الذي يحبس النهر بالقوة. ما إن يتصدع جدار السد أو يغيب الحارس عن موقعه حتى تنفجر المياه في كل اتجاه. وكذلك الإنسان الذي يمتنع عن الجريمة لمجرد الخوف من العقوبة، فهو لا يحمل في داخله رادعاً حقيقياً، بل يحمل فقط حسابات مؤقتة تزول بزوال الرقيب.
ولهذا تجد في كثير من المجتمعات التي تتكاثر فيها القوانين وتتضخم كتبها التشريعية ظاهرة مثيرة للتأمل: الجريمة لا تنقص بل تتشكل في صور أكثر احترافاً وأشد خفاء.

 

يتعلم المجرم كيف يتحايل على القانون لا كيف يتخلص من نزعة الإجرام في نفسه. ويصبح المشرع في سباق لا ينتهي مع الجريمة، يسد ثغرة فتنفتح أخرى، ويحكم باباً فيُطرق غيره.
أما حين يكون الرادع داخلياً، حين تكون القيمة جزءاً من تركيبة الإنسان ذاته، فإن غياب الشرطي لا يغير شيئاً، وظلام الليل لا يُغري بما يُستحيا منه في ضوء النهار، لأن الرقيب الحقيقي يسكن في الداخل لا يغادر ولا ينام.
الإسلام والمعادلة المقلوبة
ما فعله الإسلام كان ثورة منهجية في طريقة بناء الإنسان قبل بناء المجتمع. إذ لم يبدأ بالعقوبة ويرهب بها، بل بدأ بالقيمة وزرعها عميقاً في الوجدان حتى صارت جزءاً من الهوية.
حين أراد الإسلام أن يحارب الزنا لم يكتفِ بجعله جريمة معاقباً عليها، بل زرع أولاً العفة في النفوس، وغرس مفهوم الحياء كخلق راسخ، وبنى منظومة متكاملة من القيم التي تجعل الفاحشة مستقبحة في النفس قبل أن تكون محرمة في الشرع، ثم جاءت العقوبة في آخر المطاف لتكون الخط الأحمر الذي يحمي المجتمع من حالات الشذوذ والانحراف النادر، لا الوسيلة الوحيدة لمنع الظاهرة.
وكذلك الأمر مع السرقة. قبل أن يُقرر الإسلام حد القطع بنى الإنسان على الأمانة والقناعة والتحريم الأخلاقي للاستيلاء على حق الغير. فالمسلم الحق لا يمتنع عن السرقة لأن يده ستُقطع، بل لأن روحه تأبى الخيانة وقلبه يرفض الاعتداء على حق أخيه.
والشاهد على صحة هذا المنهج ما نراه اليوم من أن ملايين المسلمين في أنحاء المعمورة، يعيشون في مجتمعات لا تُطبق الحدود الشرعية ولا تعرف شيئاً من أحكام الفقه الجنائي، ومع ذلك يمتنعون عن السرقة والزنا وشرب الخمر. لماذا؟ لأن القيمة صارت عقيدة والمبدأ صار طبعاً، وما كان طبعاً لا يحتاج إلى قانون ليبقى.
بين السياج والجذر
يمكن تشبيه القانون وحده دون قيم بسياج يُحيط بحديقة فارغة. يمنع الناس من الدخول لكنه لا يُنبت فيها زهرة واحدة. أما القيمة فهي البذرة التي حين تُغرس في التربة الصحيحة وتُسقى بالتربية الصادقة تُنبت شجرة تُظلل المجتمع وتُثمر لأجيال.
المجتمعات التي تصنع قيماً راسخة لدى أفرادها لا تحتاج إلى جيوش من رجال الشرطة ولا إلى كتب لا تنتهي من التشريعات. أما المجتمعات التي أهملت غرس القيم وعوّضت عنها بتضخيم منظومتها القانونية فستجد نفسها في دوامة لا تنتهي: قانون يُكسر فيُستبدل بقانون أصرم يُكسر فيستدعي قانوناً أشد وهكذا إلى ما لا نهاية، والفساد يجد دائماً ثغرة لأنه يُغذى من الداخل لا يُحارب من الخارج.
التربية لا التشريع... هذا هو الرهان
الرهان الحقيقي في إصلاح المجتمعات ليس على عدد القوانين التي تُسن ولا على صرامة العقوبات التي تُقر، بل على جودة الإنسان الذي يُربَّى.

حين تُزرع في نفس الطفل قيمة الصدق فلن يحتاج حين يكبر إلى قانون يُجبره على الصدق. وحين يُغرس فيه احترام حق الآخرين فلن تكون الشرطة هي العائق الوحيد بينه وبين السرقة.
التشريع يصنع الخائف. والتربية تصنع الفاضل. والمجتمع الفاضل لا يحتاج إلى نصف ما يحتاجه المجتمع الخائف من قوانين وحراس وسجون.
هذه ليست دعوة إلى إلغاء القوانين، فالعقل والفطرة يقضيان بضرورة الضوابط التي تنظم حياة الناس وتحفظ حقوقهم. لكنها دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات: ابدأ بالإنسان، ابنه أولاً، اغرس فيه القيمة والمبدأ والضمير الحي، ثم ضع القانون في مكانه الصحيح سياجاً يحمي لا عكازاً يحمل.
حين يفعل المجتمع ذلك يجد نفسه في غنى عن كثير مما يُثقل كاهله من تشريعات متراكمة وملفات قضائية متكدسة ومؤسسات إصلاح عاجزة عن الإصلاح.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services