19
0
قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.. بين عنجهيةٍ صهيونية وخذلانٍ عربيّ وإسلامي
ليس لها كاشفٌ إلا الله


بقلم: شريف ابراهيم أحمد
في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات، وتضمُر فيه الأفعال، يخرج إلى السطح ما يُسمّى بـ"قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" كجرحٍ جديدٍ في جسد العدالة الدولية، وكاشفٍ فاضحٍ لاختلال ميزان القيم في هذا العالم.
ليس الأمر مجرّد نصٍّ قانونيٍّ يُناقش داخل أروقة برلمان، بل هو إعلانٌ صريحٌ عن سقوطٍ أخلاقيٍّ مدوٍّ، وعن عنجهيةٍ تستند إلى فائض القوة، وتستقوي بصمتٍ دوليٍّ يكاد يرقى إلى مستوى التواطؤ.
هذا القانون، إن مرّ، لن يكون سابقةً تشريعية فحسب، بل سيفتح أبوابًا مظلمةً في تاريخ الإنسانية، حيث يصبح الأسير ـ الذي كفلت له القوانين الدولية حق الحياة والمحاكمة العادلةـ هدفًا مشروعًا للموت بقرارٍ سياسيّ. هنا، تتهاوى مبادئ اتفاقيات جنيف، التي وُضعت أصلًا لحماية الإنسان في أوقات الحرب، ويُلقى بها في مهبّ الريح أمام إرادة القوة الغاشمة.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا ليس: كيف وصل الاحتلال إلى هذا الحد؟ بل: كيف وصلنا نحن إلى هذا الصمت؟
أين الأمة التي كانت ترى في الأسير قضية كرامة؟ أين الأصوات التي كانت تهدر في الشوارع دفاعًا عن المظلوم؟ لقد تحوّل الغضب إلى بيانات، والبيانات إلى صمت، والصمت إلى ما يشبه القبول الضمني. خذلانٌ يتسلّل بهدوء، لكنه يترك أثرًا كزلزالٍ في وجدان الشعوب.
إن دور الأمة ـ عربيةً كانت أم إسلامية ـ لا يمكن أن يُختزل في الشجب والإدانة، فالقضية اليوم ليست سياسيةً فقط، بل أخلاقيةٌ وإنسانيةٌ بامتياز.
إنها اختبارٌ حقيقيٌّ لمدى قدرتنا على استعادة المعنى: معنى النصرة، معنى التضامن، معنى أن يكون للدم العربي والإسلامي وزنٌ في معادلة العالم.
المطلوب ليس المستحيل، بل الممكن الذي أهملناه طويلًا:
إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في الوعي الجمعي، لا كخبرٍ عابر، بل كقضية مركزية.
تحريك أدوات الضغط السياسي والقانوني عبر المؤسسات الدولية، وعدم ترك الساحة لروايةٍ واحدة.
دعم صمود الأسرى وعائلاتهم ماديًا ومعنويًا، فهم خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة.
استنهاض دور المثقفين والإعلاميين لكسر جدار الصمت، وصناعة خطابٍ يليق بحجم المأساة.
ورغم هذا المشهد القاتم، يبقى في الأفق نورٌ لا ينطفئ. فالتاريخ—مهما طال ليله—ينحاز في النهاية للعدل، والحقّ—وإن حاصرته القوانين الجائرة—لا يموت. قد تُغلّق الأبواب في وجه العدالة الأرضية، لكن تبقى السماء مفتوحة.
"ليس لها كاشفٌ إلا الله"… عبارةٌ تختصر يقينًا عميقًا بأن الظلم، مهما تجبّر، له نهاية، وأن دعوة المظلوم لا تُردّ، وأن للحقّ ربًّا يحميه.
في هذه اللحظة الفاصلة، لا تملك الأمة رفاهية الحياد. فإما أن تستعيد صوتها، أو تُسجَّل في هامش التاريخ كشاهدٍ صامتٍ على واحدةٍ من أكثر اللحظات قسوةً في مسيرة الإنسان.

