بقلم: سامي إبراهيم فودة
في اللحظة التي يتوقف فيها قلب أسيرٍ خلف القضبان، لا تتوقف نبضاته وحدها، بل يُفتح جرحٌ جديد في جسد العدالة الدولية.
ليست الوفاة داخل السجون حدثًا عابرًا يُطوى في سجلٍ إداريٍّ بارد، بل هي اختبار أخلاقي وقانوني لضمير العالم بأسره.
وحين يرتقي أسير فلسطيني في ظروفٍ غامضة، يصبح السؤال أكبر من شخصه، وأعمق من تاريخ اعتقاله؛ يصبح السؤال عن كرامة الإنسان حين يُجرَّد من حريته، وعن مصير القوانين الدولية حين تُعلَّق على أبواب الزنازين.
إن وفاة الأسير الفلسطيني حاتم إسماعيل ريان (59 عامًا) من قطاع غزة داخل سجن النقب، بعد اعتقاله بتاريخ 27 كانون الأول/ ديسمبر 2024 من مستشفى كمال عدوان، ليست واقعةً معزولة يمكن التعامل معها كخبرٍ عابر في نشرات المساء، بل هي قضية حقوقية بامتياز، تستدعي تحقيقًا دوليًا عاجلًا وشفافًا في ظروف احتجازه، وفي مدى التزام الجهة القائمة بالاحتجاز بواجباتها القانونية تجاه الأشخاص المحرومين من حريتهم، وفق قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ذات الصلة.
إن الأسير، مهما كانت التهمة المنسوبة إليه، يبقى إنسانًا أولًا، وتبقى حياته أمانةً قانونية وأخلاقية في عنق الجهة التي تحتجزه. وتحمّل المسؤولية لا يقف عند حدود منع التعذيب أو المعاملة القاسية، بل يمتد ليشمل توفير الرعاية الصحية الكاملة، والمتابعة الطبية الدورية، وضمان بيئة احتجاز تحترم الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
وأي إخلال بهذه الالتزامات، سواء بالإهمال الطبي أو سوء المعاملة أو الحرمان المتعمّد من العلاج، يُعدّ انتهاكًا جسيمًا يستوجب المساءلة. إن المطالبة بتحقيق دولي ليست شعارًا سياسيًا، بل استحقاقًا قانونيًا. فالتحقيق المستقل والحيادي هو الطريق الوحيد لكشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، ومنع تكرار مثل هذه المآسي.
كما أنه رسالة واضحة بأن أرواح الأسرى ليست أرقامًا، وأن العدالة لا يجب أن تبقى رهينة الحسابات السياسية أو ميزان القوى. لقد آن الأوان لأن تتحمّل الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان مسؤولياتها كاملة، وأن تُفتح أبواب المساءلة على مصاريعها، لأن الصمت على موتٍ داخل الزنازين هو شراكة غير معلنة في استمرار الألم.
إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، والحق في الحياة لا يسقط بالتقادم ولا يُلغى بالأغلال.
في ختام سطور مقالي: رحيل الأسير ريان داخل السجن ليس نهاية قصة، بل بداية سؤال كبير موجَّه إلى المجتمع الدولي: هل تبقى حياة الأسير الفلسطيني خارج دائرة الحماية الفعلية؟ أم أن العدالة ستنهض أخيرًا لتقول كلمتها؟ بين جدران السجون تُختبر إنسانية العالم، وكل تأخير في كشف الحقيقة هو جدارٌ آخر يُضاف إلى عزلة الضحية. والعدالة، وإن تأخرت، تظل وعدًا لا يموت.