صبرينة دلومي
بين صخور قسنطينة العتيقة التي تنطق تاريخاً، وجسورها المعلقة التي تروي قصص الوفاء، استيقظت "سيرتا" اليوم على وقع خطىً مثقلة بالهوية ومفعمة بالحنين.
كانت الملاية القسنطينية تنساب كشلال من الحبر الأسود فوق حجارة المدينة، تلتحفها النسوة لتختزل في طياتها حكاية مدينة بأكملها؛ قماشها القاتم لا يعكس حزناً بقدر ما يفيض شموخاً ووقاراً، يسير بمهابة تتحدى العصرنة وتلفت الأنظار بنسيجها المتماسك الذي يستر الجسد بكبرياء.

ويزداد المشهد سحراً وسريالية حين يلوح "العِجار" الأبيض المطرز بنقاء الياسمين، ليواري ملامح الوجه إلا من عيون تنطق أصالة ونظرات تعبر عن الأنفة، ليكون هذا الثوب المنسوج من الستر والحشمة بعداً ثقافياً وروحياً يفوح بعبق الجدات، ويثبت في كل حركة تفاصيل العفة القسنطينية الضاربة في عمق التاريخ الجزائري، وفي مقابل هذا السواد المهيب، كان الحايك يلوح في الأفق كغيمة بيضاء هبطت لتستقر فوق الصخر العتيق، بنسيجه الحريري النقي الذي يعكس الضوء ببريق يشد الأنفاس. يلتف الحايك حول جسد المرأة الجزائرية بانسيابية ساحرة، مترافقاً مع "العجار" الذي يضفي على الملامح هالة من السرية والجمال العريق، حيث يتحول الثوب في مشيته إلى قصيدة متحركة تروي عفة الأمهات وأصالة الذاكرة الوطنية، ليشكل مع الملاية ثنائية بصرية مذهلة، يتمازج فيها البياض الناصع بالسواد الوقور، ليعيدوا معاً كتابة ملامح الشارع الجزائري القديم بجمالٍ يتحدى الاندثار.
من قصر الباي إلى أزقة سيدي جليس: كيف أحيت حرائر قسنطينة لباس الثورة والحشمة
رافقت "بركة نيوز" موكب النسوة القسنطينيات اللواتي التحفن السواد "ملايةً" والبياض "حايكاً"، في رحلة مهيبة انطلقت من باحة قصر الحاج أحمد باي، حيث تلاقت جدران القصر المرصعة بالتاريخ مع وقار اللباس التقليدي الأصيل. انسابت القافلة كالنهر الهادئ في أزقة المدينة القديمة، مخترقةً الشوارع الضيقة التي فاحت منها رائحة الماضي وعبق الأجداد، وصولاً إلى "قنطرة السبيطار" تلك النقطة المفصلية حيث التقى التاريخ بنفسه في مشهدٍ سريالي. هناك، تعانقت الملاية القسنطينية وجمالية الحايك بضخامة الجسور الشاهقة، لترسم لوحة بصرية تختصر هوية مدينة ضاربة في القدم، وتعلن أن قسنطينة لا تزال وفية لروحها التي لا تنحني للزمن.
أعلامٌ وزغاريد.. مشهدٌ يعيد الروح للمدينة وجمال السبعينيات
لم يكن المشهد صامتاً أو مجرد عرض للأزياء، بل كان حواراً مدوياً بالاعتزاز والوطنية؛ حيث رفعت القسنطينيات العلم الوطني عالياً، ليرفرف فوق رؤوس الملتحفات بالحايك الأبيض والملاية السوداء، في مزيج لوني يختزل تضحيات أمة بأكملها.
انطلقت الزغاريد القوية لتدوي في أرجاء "الرحبة" وحواري المدينة العتيقة، في مشهدٍ مهيب هز مشاعر المارة وأعاد الذاكرة جماعياً إلى جيل السبعينيات والثمانينيات، حين كانت الملاية والحايك سيدي الشوارع بلا منازع وعنوان الأنفة والوقار في قسنطينة.
الملاية والحايك يعيدان قسنطينة إلى “زمن الحشمة” وسط تأثر المواطنين وحنينهم للماضي
واصلت القافلة مسيرها بزهو، تجوب الحارات وصولاً إلى ساحة "سيدي جليس" القلب النابض للمدينة القديمة، حيث تحولت الساحات إلى فضاءٍ مفتوح للاحتفاء بالهوية التي تأبى الاندثار رغم تعاقب السنين، ليعلو صوت الأصالة فوق كل اعتبار.
شهادات حية من قلب الحدث: لباسٌ صنع الاستقلال وحفظ كرامة الأمة.
خلال جولة "بركة نيوز" الميدانية، استوقفتنا ردود أفعال المواطنين والكهول الذين اغرورقت أعين بعضهم بالدموع تأثراً بهذا المشهد الرمزي الذي أعادهم لعقود خلت. لم تكن مجرد تظاهرة ثقافية، بل كانت درساً حياً في التاريخ؛ حيث علق العديد من المتابعين والمهتمين بالتراث بأن هذه الفعالية أعادتنا بحق إلى "زمن الحشمة" الذي افتقدناه في شوارعنا العصرية.
وأكد المتحدثون أن الملاية والحايك لم يكونا مجرد زينة للمرأة القسنطينية، بل كانا سلاحاً ستر المجاهدات والمسبلات إبان الثورة التحريرية الكبرى، ووسيلةً ذكية للتمويه ونقل الرسائل والأسلحة بعيداً عن أعين المستعمر، مما يجعلهما لباساً وطنياً خالصاً ساهم بشكل مباشر في نيل الاستقلال. هو لباسٌ ارتبط بالحرية كما ارتبط بالعفة، وهو ما يفسر تلك الهيبة والقدسية التي يفرضها في أزقة قسنطينة اليوم.
ارتداء “الملاية” والحايك أعاد لنا الإحساس بأصالة المرأة الجزائرية
على هامش هذه "الخرجة" التاريخية، التقت "بركة نيوز" بنخبة من شابات المدينة اللواتي صنعن الحدث بتمسكهن بموروث الجدات ،صرحت الشابة مروى، وهي تعدل عجارها الأبيض بزهو وتفتخر بملايتها: الملاية بالنسبة لي ليست مجرد قطعة قماش سوداء، بل هي رمزٌ لكيان وعراقة مدينتي، وحملي للعلم اليوم هو رسالة للعالم بأننا بنات سيرتا حارسات هذا التراث ، أما امينة ، فقد عبرت عن فخرها بارتداء "القندورة" واللحاف وتداخلها مع بياض الحايك، مؤكدة أن رؤية نظرات الإعجاب والتقدير في عيون الشباب والشيوخ تمنحها شعوراً عظيماً بالمسؤولية لنقل هذا الإرث للأجيال القادمة، ليبقى اللباس الأصيل نبضاً حياً في جسد قسنطينة يتحدى النسيان.
وعبّرت الشابتان اللتان ارتدتا “الملاية” و”الحايك” عن فخرهما الكبير بالمشاركة في هذه التظاهرة التراثية، مؤكدتين أن ارتداء هذا اللباس التقليدي الأصيل منحهما شعورا مميزا بالاعتزاز بالهوية الجزائرية والتراث القسنطيني العريق.
وأوضحتا أن الأجواء التي رافقت خروجهما من قصر أحمد باي وسط الزغاريد والأعلام والورود أعادت إلى الأذهان صور المرأة القسنطينية قديما، خاصة بعدما جابتا شوارع مدينة الصخر العتيق وسط إعجاب المواطنين والسياح الذين تفاعلوا مع هذا المشهد التراثي المميز.
كما أكّدتا أن “الملاية” و”الحايك” ليسا مجرد لباسين تقليديين، بل يمثلان رمزا للأصالة والأناقة والعادات التي توارثتها الأجيال، معبرتين عن أملهما في عودة هذا الزي التقليدي إلى الواجهة من جديد والمحافظة عليه ضمن التظاهرات الثقافية والمناسبات المختلفة، حفاظا على الموروث الشعبي الجزائري.
مديرة قصر أحمد باي: “الملاية والحايك” ذاكرة مدينة ورمز للمقاومة الجزائرية
أكدت مديرة قصر الحاج أحمد باي، مريم قبايلية، أن الطبعة الخامسة لتظاهرة “الملاية والحايك”، المنظمة ضمن فعاليات شهر التراث تحت شعار “احكي يا قسنطينة.. الملاية تراث ورواية”، جاءت من أجل إعادة إحياء الذاكرة الثقافية المرتبطة بلباس المرأة القسنطينية والمحافظة على هذا الموروث الذي يعكس أصالة المجتمع الجزائري.
وأوضحت قبايلي في حديثها لـ “بركة نيوز” أن “الملاية” و”الحايك” لا يمثلان مجرد زي تقليدي، بل يحملان أبعادا تاريخية ووطنية ارتبطت بذاكرة الجزائريين، خاصة خلال الثورة التحريرية، أين استعملتهما المجاهدات في أداء مهامهن النضالية والتنقل بسرية، ما جعل هذا اللباس يتحول إلى رمز من رموز الهوية الوطنية والمقاومة الجزائرية.
وأضافت المتحدثة أن هذه الطبعة حملت اسم الروائية أحلام مستغانمي، باعتبارها واحدة من أبرز الشخصيات التي دافعت عن التراث الجزائري وروّجت له في مختلف المحافل، مشيرة إلى أن الكاتبة عبّرت عن اعتزازها بهذه المبادرة من خلال صفحتها الرسمية، كما استحضرت علاقتها الخاصة بالملاية القسنطينية التي ورثت حبها عن والدتها وجدتها، في صورة تعكس استمرار ارتباط الأجيال بهذا اللباس التقليدي الأصيل.
الباحث رياض شروانة: الملاية القسنطينية جزء من الهوية الوطنية وذاكرة المدينة
من جهته، أكد الباحث في التاريخ الجزائري المعاصر، رياض شروانة، أن تنظيم الطبعة الخامسة لتظاهرة “الملاية القسنطينية” يندرج ضمن مساعي تثمين هذا الموروث الثقافي وإعادة الاعتبار له باعتباره أحد أبرز رموز الهوية الوطنية الجزائرية.
وأوضح أن فكرة المشروع تم العمل عليها منذ أكثر من سنتين بهدف ترسيخ حضور الملاية القسنطينية في المشهد الثقافي والتعريف بأبعادها التاريخية والحضارية لدى الأجيال الجديدة.
وأشار شروانة إلى أن اختيار الروائية أحلام مستغانمي كرمز لهذه الطبعة لم يكن اعتباطيا، بل جاء تقديرا لدورها في الدفاع عن التراث الجزائري والتعريف به داخل الجزائر وخارجها، لاسيما من خلال مبادراتها الثقافية والإعلامية التي سلطت الضوء على الأزياء التقليدية الجزائرية، على غرار “القفطان الجزائري” و”الملاية القسنطينية”.
وقال أن ظهور أحلام مستغانمي بالملاية داخل قصر الحاج أحمد باي منح التظاهرة بعدا رمزيا قويا، يعكس عمق ارتباط هذا اللباس بتاريخ مدينة قسنطينة وذاكرتها الشعبية.
وأضاف الباحث رياض شروانة أن هناك روايات متداولة تتحدث عن ارتداء نساء قسنطينة لـ”الملاية” حزناً على وفاة صالح باي، غير أن الكتابات التاريخية والبحوث الأكاديمية تبقى فقيرة في هذا الاتجاه، لغياب دراسات موثقة تعتمد على الوثائق التاريخية التي تُثبت الوقائع بدقة من حيث الزمان والمكان، مشيراً إلى أن هذا الموضوع يمثل حقلاً خصباً للباحثين لإنجاز دراسات أكاديمية وتاريخية موثقة.
مدير الثقافة بقسنطينة: “الملاية” جزء من الذاكرة الجماعية ورمز للهوية الجزائرية
صرّح مدير الثقافة والفنون لولاية قسنطينة، فريد زعيتر، أن فعالية شهر التراث الثقافي لسنة 2026 جاءت للاحتفاء بالموروث اللامادي الذي تزخر به المدينة، وعلى رأسه لباس “الملاية” الذي يعد من أبرز رموز الهوية القسنطينية الأصيلة، مؤكدا أن هذه التظاهرة المنظمة تحت إشراف المتحف الوطني العمومي “قصر أحمد باي” والمقامة تحت شرف الكاتبة أحلام مستغانمي، تهدف إلى إبراز قيمة التراث الجزائري والمحافظة عليه من الاندثار.
وأضاف المتحدث أن الحفاظ على هذا اللباس التقليدي يدخل ضمن مساعي تثمين الموروث الثقافي وترسيخه لدى الأجيال الصاعدة، باعتباره جزءا من ذاكرة المجتمع القسنطيني والهوية الجزائرية الأصيلة التي تفخر بها المدينة.
الفنانة رجاء صغير توثق تاريخ الملاية والعجار في لوحات فنية
احتلّت إبداعاتُ الفنانة التشكيلية رجاء صغير زاويةً بصريةً ساحرةً ضمنَ أروقةِ متحف "قصر الحاج أحمد باي"، لتتحول لوحاتُها العتيقة إلى مِرآةٍ حيةٍ تختزلُ حكايا "الملايةِ والقسنطينياتِ" التي لم تروِها كتبُ التاريخ بعد.
رصدت كاميرا "بركة نيوز" شغفَ الفنانة وهي تشرحُ للزوار خلفياتِ أعمالِها؛ حيث أكدتْ أن ريشتَها انصبتْ بالدرجة الأولى على سحر "الأعين"، معتبرةً إياها النوافذ الحقيقية للروح والسبيل الوحيد لنقل مشاعرَ إنسانيةٍ جارفةٍ تتأرجحُ بين الأملِ، الحزنِ، والشوقِ الدفين الذي يختبئ خلف وقارِ هذا الثوبِ الأسودِ المهيب، معربةً عن أملِها السامي في أن تكونَ قد وفقتْ في إيصالِ هذه الأحاسيسِ الصادقةِ إلى وجدان الحاضرين.
كشفتْ رجاء صغير لـ "بركة نيوز" عن سرّ هذا الرابط المقدس الذي يجمعُها بالملاية، معيدةً عقاربَ الساعة إلى أيام طفولتِها الأولى؛ حيث استحضرتْ بملامح متأثرة ذكرياتِها الدافئة مع جدتِها -رحمها الله-، ومراقبتِها الدقيقة لطقوسِها اليومية وهي ترتدي "الملاية والعجار" بتفاصيلَ متناهيةِ الدقةِ والعنايةِ، وهو الإرثُ العاطفي الذي تحول اليوم إلى طاقةٍ إبداعيةٍ تثورُ فوق لوحاتِها التشكيلية لحماية الهوية الوطنية من الزوال.