3
0
حين تتحوّل الإدارة إلى شريك اجتماعي..
ولاية المنيعة تختبر ملامح جديدة للخدمة العمومية

لم تعد الخدمة العمومية، في بعض تجاربها الحديثة، مرادفًا للمكاتب المغلقة والإجراءات الثقيلة، بل بدأت تتخذ ملامح أكثر إنسانية، قوامها القرب الميداني والاستجابة المباشرة لانشغالات المواطن.
الهوصاوي لحسن
وفي هذا السياق، تبرز ولاية المنيعة كنموذج لافت من خلال احتضانها الطبعة الرابعة من أسبوع المساعدة الاجتماعية في البيت، الذي ينظمه الصندوق الوطني للتقاعد من 14 إلى 20 ديسمبر 2025، تحت شعار دالّ: «المساعدة الاجتماعية في البيت… خدمة عمومية تنبض بالقيم الإنسانية».
هذه التظاهرة ليست مجرد نشاط ظرفي، بل تعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة التسيير الاجتماعي، حيث ينتقل الصندوق الوطني للتقاعد من منطق الإجراء الإداري إلى مقاربة ميدانية تضع المتقاعد في صلب الاهتمام، لا على هامش المنظومة. فالمبادرة تقوم على مرافقة اجتماعية مباشرة داخل البيوت، تستهدف المتقاعدين وذوي الحقوق، خاصة الفئات الهشة ككبار السن، المرضى، الأشخاص ذوي الإعاقة، ومن يعيشون أوضاعًا اجتماعية معقّدة.
من الإدارة إلى الميدان
اللافت في هذه التجربة هو كسرها للحاجز التقليدي بين المواطن والإدارة. فبدل إلزام المتقاعد بالتنقل بين المصالح والانتظار في الطوابير، تنزل الخدمة العمومية إلى فضائه الخاص، حاملة معها حلولًا عملية لانشغالات يومية، في مقدمتها الملفات الإدارية والحصول على التجهيزات الطبية الضرورية. وهو تحوّل يعكس وعيًا متزايدًا بأن الكرامة الإنسانية لا تنفصل عن نوعية الخدمة العمومية.

وفي هذا الإطار، أوضح مدير الصندوق الوطني للتقاعد بولاية المنيعة، كمال طاهري، أن جهاز المساعدة الاجتماعية في البيت مكّن خلال سنة 2024 من زيارة ومرافقة أكثر من 31 ألف متقاعد وذي حقوق على المستوى الوطني، منها نسبة معتبرة على المستوى المحلي. وقد شملت هذه العمليات تسهيل الإجراءات الإدارية والتكفل بطلبات التجهيزات الطبية، مثل أجهزة المساعدة على المشي، الكراسي المتحركة وأجهزة تقوية السمع، دون إرهاق المستفيدين بأعباء التنقل.
الرقمنة كرافعة للعدالة الاجتماعية
ولا ينفصل هذا التوجّه الميداني عن مسار الرقمنة الذي انتهجه الصندوق الوطني للتقاعد، حيث أُطلقت خدمة المساعدة الاجتماعية في البيت عن بُعد عبر تطبيقي «تقاعدي» و«فضاء المتقاعد». هذه الأدوات الرقمية لم تأتِ كبديل عن العنصر البشري، بل كرافعة لتقريب الخدمة أكثر، وتمكين المتقاعدين من برمجة الزيارات وطلب التجهيزات بسهولة وشفافية.
هذا التزاوج بين العمل الميداني والرقمنة يعكس رؤية استراتيجية تهدف إلى تعميم الولوج العادل للخدمات الاجتماعية، وتقليص الفوارق الجغرافية والاجتماعية، خصوصًا في المناطق البعيدة.
الخدمة العمومية بوجه إنساني
وتؤكد الطبعة الرابعة من أسبوع المساعدة الاجتماعية في البيت بالمنيعة أن العناية بالمتقاعد لم تعد مبادرة موسمية، بل التزامًا مؤسساتيًا دائمًا، ينسجم مع توجهات الدولة في تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.
فهنا، لا يُقاس نجاح الإدارة بعدد الملفات المعالجة فقط، بل بقدرتها على الإنصات، المرافقة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة.

وفي تصريح لها، أكدت فاطمة الزهراء فريحة، المكلّفة بالمساعدة الاجتماعية في البيت بالصندوق الوطني للتقاعد الوكالة المحلية المنيعة، أن هذه المبادرة مكّنت من بناء علاقة ثقة مباشرة مع المتقاعدين، وجعلتهم يشعرون بأن الإدارة حاضرة إلى جانبهم، لا فوقهم.
هكذا، ترسّخ المنيعة تجربة يمكن قراءتها كنموذج وطني لخدمة عمومية جديدة: خدمة لا تكتفي بإدارة الملفات، بل ترافق الإنسان في واقعه اليومي، وتعيد الاعتبار لمعنى الدولة الراعية والقريبة من مواطنيها.

