134

0

حين تُمحى فلسطين من الشاشات… من يربح صمت الاعلام؟

بقلم : د.رائد ناجي

 

في لحظة تبدو فيها المنطقة العربية غارقة في ضجيج الاحداث، تتسلل مفارقة صادمة بهدوء قاتل: فلسطين، التي كانت يوما بوصلة الوعي الجمعي، تغيب تدريجيا عن أعين الاعلام. ليس غيابا عفويا، ولا نتيجة تراجع موضوعي في الاحداث، بل هو غياب مركب، تُصنع شروطه بعناية، وتُعاد هندسة اولوياته ضمن سردية جديدة تُعيد ترتيب العدو، وتُعيد تعريف الصديق.

ان تفكيك هذه الظاهرة يقتضي النظر الى الاعلام لا بوصفه ناقلا محايدا للواقع، بل باعتباره فاعلا بنيويا في تشكيله. فحين تختفي القضية الفلسطينية من نشرات الاخبار، ومن واجهات التحليل، ومن برامج الرأي، فإن ذلك لا يعني ان فلسطين هدأت، بل يعني ان هناك قرارا ضمنيا او صريحا بإزاحتها من مركز الصورة. وهذا الازاحة ليست بريئة؛ إنها تعبير عن تحولات اعمق في البنية السياسية والاقتصادية والثقافية للمنطقة.

لقد جرى، خلال السنوات الاخيرة، اعادة تعريف "القضية المركزية". لم تعد فلسطين هي المعيار الذي تُقاس عليه المواقف، بل اصبحت مجرد ملف ضمن ملفات متعددة، قابلة للتأجيل، او حتى للمساومة. وفي هذا السياق، يعمل الاعلام بوصفه اداة لإعادة ترتيب الوعي؛ حيث تُضخم قضايا، وتُهمش اخرى، وفق منطق يخدم توازنات معينة، لا حقائق الصراع.

هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يخدم هذا الغياب بنيامين نتنياهو؟

الاجابة، في بعدها التفكيكي، تتجاوز نعم او لا، لتكشف شبكة مصالح معقدة. فنتنياهو، الذي بنى مشروعه السياسي على ادارة الصراع لا حله، يدرك تماما ان اخطر ما يواجهه ليس الصواريخ، بل الوعي. وغياب فلسطين عن الاعلام يعني، ببساطة، تآكل هذا الوعي، وتفريغ القضية من بعدها الاخلاقي والانساني.

حين لا تُعرض صور الضحايا، ولا تُروى قصص الحصار، ولا يُكشف منطق الاحتلال، يتحول الكيان الصهيوني من كونه مشكلة الى كونه "واقعا طبيعيا". وهذا التحول هو بالضبط ما يسعى اليه نتنياهو: تطبيع الوجود، لا فقط على مستوى العلاقات السياسية، بل على مستوى الوعي الجمعي.

ان اخطر ما في هذا الغياب انه لا يُقدم نفسه كخيانة صريحة، بل كـ"انشغال مبرر". تُقال العبارات الجاهزة: "لدينا قضايا داخلية"، "المنطقة تعيش تحولات"، "الاولويات تغيرت". لكنها، في جوهرها، ليست سوى آليات لغوية لتبرير الانسحاب من مركز الصراع، وتحويل فلسطين الى هامش.

وفي هذا الاطار، يتكامل دور الاعلام مع خطاب سياسي اوسع، يعيد صياغة العدو. فبدلا من ان يكون الاحتلال هو العدو المركزي، تُصنع اعداء بديلة، داخلية او اقليمية، تُستنزف فيها الطاقات، وتُبدد فيها البوصلة. وهنا يتحقق لنتنياهو ما هو اخطر من النصر العسكري: نصر في تعريف المعركة نفسها.

لكن، هل يعني ذلك ان الوعي العربي قد انهار؟

ليس تماما. فثمة مقاومة صامتة لهذا التهميش، تظهر في لحظات الانفجار، حين تعود فلسطين فجأة الى الواجهة، بقوة الحدث وصدقه. غير ان هذه العودة تبقى موسمية، مرتبطة بالدم لا بالتحليل، وبالصدمة لا بالاستمرارية. وهذا ما يجعلها، رغم اهميتها، عاجزة عن بناء وعي مستدام.

ان التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اعادة فلسطين الى الشاشات، بل في اعادتها الى موقعها كمرجعية تحليلية. اي ان تُقرأ الاحداث، مهما تنوعت، من زاوية علاقتها بالصراع مع الاحتلال. وهذا يتطلب اعلاما مختلفا، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يعيد بناء السياق، ويكشف البنية، ويقاوم السرديات المفروضة.

في المحصلة، يمكن القول إن غياب القضية الفلسطينية عن عيون الاعلام ليس حدثا عرضيا، بل هو نتيجة مسار طويل من اعادة تشكيل الوعي. وهو، في الوقت ذاته، مكسب استراتيجي لنتنياهو، الذي يجد نفسه في فضاء اعلامي اقل عداء، واكثر استعدادا لتقبل روايته، او على الاقل لتجاهل ما يناقضها.

غير ان هذا المكسب يظل هشا، ما دام قائما على الغياب لا على الاقتناع. ففلسطين، بحكم طبيعة قضيتها، تملك قدرة دائمة على العودة، وعلى فرض نفسها، كلما ظن البعض انها اختفت. والسؤال الذي يبقى مفتوحا: هل سيبقى الاعلام اسيرا لهذه المعادلة، ام انه سيستعيد دوره كحارس للذاكرة، لا كأداة لنسيانها؟

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services