أصدرت الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني – حشد ورقة حقائق بعنوان “النزوح القسري وهندسة الواقع الديمغرافي في قطاع غزة وانعكاساته على التماسك المجتمعي” من إعداد الباحثة ياسمين قاسم، تناولت فيها التحولات الديمغرافية والاجتماعية العميقة التي شهدها قطاع غزة خلال عامين من حرب الإبادة الجماعية الممتدة بين 2023–2025، وما رافقها من سياسات نزوح قسري وتدمير ممنهج طال الإنسان والبنية المجتمعية على حد سواء.
وأكدت الورقة أن الحرب لم تقتصر على الاستهداف العسكري، بل شكّلت عملية تفكيك اجتماعي ممنهج استهدفت النسيج الداخلي للمجتمع الفلسطيني في غزة، عبر فرض النزوح القسري كسلاح حرب وعقاب جماعي، ما أدى إلى تفكك آلاف العائلات، وانهيار منظومات الحماية الاجتماعية، وإحداث تغييرات ديمغرافية وجغرافية عميقة أثّرت على بنية المجتمع واستقراره الداخلي.
واستعرضت الورقة أرقامًا وإحصائيات صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث بلغ عدد الضحايا 72,027 شهيدًا ومفقودًا، وأكثر من 171 ألف مصاب، إضافة إلى إبادة أكثر من 2,800 أسرة بالكامل، وتشريد قرابة مليوني مواطن قسرًا. كما دُمّر ما يقارب 90% من البنية التحتية في القطاع، وأكثر من 268 ألف وحدة سكنية كليًا، فيما باتت مئات آلاف الأسر بلا مأوى، في ظل استهداف واسع للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء وشبكات المياه والكهرباء.
وأشارت الورقة إلى أن الأطفال والنساء شكّلوا نحو 70% من إجمالي الضحايا، مع وجود عشرات آلاف الأيتام، وآلاف حالات البتر، وارتفاع معدلات سوء التغذية والإجهاض، الأمر الذي عمّق من هشاشة البنية المجتمعية وفاقم التحديات النفسية والاجتماعية طويلة الأمد.
وفي إطارها المفاهيمي، عرّفت الورقة التماسك الاجتماعي بوصفه الرابط البنيوي الذي يجمع أفراد المجتمع في إطار من الثقة والتضامن والانتماء والعمل المشترك، مؤكدة أن هذا التماسك يتحول في سياق النزاعات والاحتلال من قيمة اجتماعية إلى شرط أساسي للبقاء والصمود. واستندت في ذلك إلى تعريفات دولية من بينها تعريف اليونسكو الذي وصف التماسك الاجتماعي بأنه “الغراء” الذي يربط المجتمع بعضه ببعض.
وبيّنت الورقة أن التماسك الاجتماعي في غزة تعرّض لاستنزاف شديد نتيجة النزوح القسري والتفكيك الجغرافي للمجتمع، إلا أنه لم ينهَر بالكامل، بل تجسّد في مبادرات مجتمعية فردية وجماعية، خاصة من فئة الشباب، الذين لعبوا دورًا محوريًا في دعم النازحين، وتقديم الإغاثة، والحفاظ على الحد الأدنى من السلم الأهلي في ظل ظروف كارثية.
كما تناولت الورقة الإطار الديمغرافي لقطاع غزة قبل الحرب، مشيرة إلى أن القطاع يمتد على مساحة 365 كم² ويقطنه نحو 2.2 مليون نسمة، يشكل اللاجئون منهم قرابة 67%، ما يجعل أي تغيير قسري في تركيبته السكانية مسألة ذات أبعاد سياسية ووطنية عميقة تتجاوز البعد الإنساني المباشر.
وخلصت الورقة إلى أن إعادة بناء التماسك الاجتماعي لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي، بل تشكل شرطًا أساسيًا لضمان الاستقرار ومنع الانزلاق نحو تفكك طويل الأمد، مؤكدة أن تحقيق الوحدة الداخلية لا يمكن أن يتم في ظل غياب العدالة واستمرار آثار الإبادة الجماعية، وأن الاستثمار في تعزيز النسيج المجتمعي يمثل حجر الزاوية في أي عملية تعافٍ مستدامة في قطاع غزة.


