13
0
حوار نقدي مع د. عادل الأسطة حول رواية "تمويه"

فراس حج محمد| فلسطين
كتب الدكتور عادل الأسطة منشوراً قصيراً في صفحته على الفيسبوك حول رواية "تمويه" للكاتبة عدنية شبلي، أتى فيه على لغة الرواية، والصحيح أنه قدّم ملحوظات مهمة حول لغة الرواية، وأبدى اهتماماً بالغاً بهذه اللغة، وحق له ذلك؛ فاللغة عماد أي عمل أدبي أكان سرديا أم شعرياً، بل إن العمل الأدبي هو اقتراج جماليّ لغوي يخص الكاتب وحده. ويستدعي الحديث حول اللغة الاجتماعية- ومن ثَمّ اللغة الروائية- مناقشة مؤثرات بيئية وسياسية واجتماعية في تكوين "كلام المرء"، وتخصيص ما يتحدث به من مجمل اللغة التي ينتمي إليها، فثمة فرق بين الكلام واللغة عند البنيويين اللغويين ومنهم العالم اللغوي (فرديناند دي سوسير)، فالكلام أداء فردي متغير، عكس اللغة التي هي نظام لساني ثابت، ولذلك فكلنا نتحدث اللغة العربية، ولكن لكل شخص منا كلامه الخاص به.
بناء على هذا المنطق البنيوي في النظرة إلى اللغة يتشعب الحديث مع الدكتور الأسطة لتتم مناقشة التأثير اللغوي وكذلك كيف تبدو لغة الكاتبة في روايتها وهي متأثرة بلغات أخرى، بل تتقن الحديث بلغات أخرى، كما أن العبرية في سياقها الاستعماري لم تكن غائبة بل كان لها حصة كبيرة في ذلك النقاش.
ثمة ملاحظة لافتة للانتباه في هذا المنشور تقول إن الرواية قد تكون كتبت بغير اللغة العربية ثم ترجمت إليها، فتركيب الجملة في الرواية غريب عن معهود اللغة العربية، وطرح مجموعة من الأمثلة على ذلك، والحقيقة أن الرواية كلها كتبت بطريقة غريبة، تلاحظها نجوى بركات التي حاورت عدنية حول الرواية نفسها في واحدة من حلقات برنامجها مطالعات (9/4/2026)، وتأتيان على اللغة وطبيعة الجملة. لتؤكد عدنية "إنها متأثرة أو عمدت إلى التأثر ببنى لغوية للغات عالمية وذكرت اللغة الكورية". كما قالت: "أنا ما عندي السلاسة اللغوية، وهنا الصعوبة في الكتابة وهي عدم القدرة على الكتابة بسلاسة".
سبق أن قرأت رواية "تمويه"، وكتبت فيها مقالتين، إحداهما نشرت في صحيفة الحدث الفلسطيني (عدد 193، نيسان، 2026)، وأطلعت الدكتور- كالعادة على المقال- يدور بيننا حوار قصير، لأحول له الرواية بنسخة إلكترونية، إذ ليست لديّ النسخة الورقية، وقد تشجع الدكتور الأسطة للنسخة الإلكترونية، على الرغم من أنه كثيرا ما أفصح عن أنه لا يقرأ الكتب الإلكترونية، ولعلّه قد سحبها على الورق ليتمكن من قراءتها وتدوين ملحوظاته عليها.
يعود الحديث بيني وبين د. الأسطة حول الرواية من جديد، لنتحدث حول الروايات وقراءتها وسلاستها "والصحيح أنني لا أقرأها بشغف، أجبر نفسي على القراءة وببطء شديد". كما قال الدكتور واصفاً تجربة قراءته لرواية "تمويه"، وأنا كذلك وجدت صعوبة في القراءة لكنها بالنسبة لي كانت تمثّل أسلوباً مختلفاً في الرواية وعوالمها يخدمني في مشروع كتابي القادم "ملامح من السرد المعاصر- أصوات نسائية"، وكتبت عن ذلك في كتابة خاصة حول قصة قراءة الرواية (قصّة قراءةٍ: أسبوعٌ كاملٌ في قراءة ثلاث روايات: موقع تدوين: 12/4/2024)، ولكن لبّ الحوار كان ما يتعلق بلغة عدنية الروائية في "تمويه"، إنها بالفعل لغة إشكالية وتتجاوز حدود الفن الروائي؛ لتكون هذه اللغة صالحة للدراسة في المختبرات اللسانية التحليلية، ففيها تداخل لغات، وتأثير لغات بلغات، وكيف يتحدث الناس بلغة ليست لغتهم الأم؟ وكيف يكتبون بها؟ وما شكل الكتابة الناتجة، وأثرها على القارئ المحتمل؟ وما الآثار السلبية التي يتركه هذا الأمر على لغة هذا المتحدث أو ذاك الكاتب؟ كما سيجد الأسطة ذلك في رواية "تمويه".
كنت أشرت في مقالتي الأولى حول الرواية إلى اللغة (إشكالية اللغة والسلوك الهوياتي)، ولكن ليست تلك اللغة التي تحدث عنها الدكتور الأسطة، وإنما تحدثتُ عن نفي الكاتبة تماماً للغة العبرية من الرواية وعدم إيرادها أية مفردة عبرية، وأشرت إلى ما تحدثت به الروائية عن بعض تحولات الحروف في النطق العربي للغة العبرية ما يفضح المتكلم بلكنته تلك، وهذه مسألة، وإن كانت روائية، إلا أنها أيضا ذات علاقة بعلم اللغة واللسانيات المعاصرة والتأثيرات الصوتية وجهاز النطق ومدى استعداده وتدربه على نطق بعض الأصوات، وبسبب هذه المسألة الدقيقة يظهر الفرق بين المتحدثين باللغة الأم والمتحدثين باللغة كونها لغة ثانية، فاللغة من هذا الباب أيضا في الرواية تستحق الدراسة، "وبخاصة تأثير الرواية على القارئ سلباً"، ما يمكّن من دراسة الرواية حسب نظريات التلقي.
يمتدّ النقاش بيننا في هذه المسألة، لكنه يقدم رأياً مبنياً على تقنية الرواية، يعلل فيه سبب عدم إيراد المؤلفة أية مفردة عبرية في الرواية فيقول الدكتور عادل: "الطالبة وكذلك الطالب يميلان إلى العزلة وهكذا نادرا ما اختلطا بشخصيات يهودية ونادرا أصلا ما تركت الساردة لهما مجالا ليتحدثا. كانت هي تسرد عنهما. لاحظ أن الرواية تخلو من الحوار بين الشخصيات. هذا نفى اللغة العبرية، فالساردة هي صاحبة الصوت".
يعجبني هذا التفسير، ومقنع إلى حدّ ما لكنني رأيت أن الكاتبة تمتلك وعيا لغويا متقدما تجاه اللغة العبرية، بصفتها لغة العدو/ الآخر، وبالتالي فهي قد تعمدت نفي العبرية، لأن ثمة مواضع في الرواية تستطيع فعل ذلك، ولو حدث لكان متسقاً مع المنطق الروائي العام، ولا يعدّ إقحاماً. يوافقني الدكتور في هذه الملاحظة قائلا: "كان يمكن وبخاصة في الصفحات التي يعلم فيها الطالب الأسير الأسرى اللغة العبرية. هنا مجال واسع لذلك"، ومع وجود هذه الإمكانية المنطقية لنفي اللغة العبرية من الرواية إلا أن الدكتور عادل أضاف سببا آخر تقنيّا أيضا لنفي العبرية من الرواية، "فاللغة العبرية لا تجري على لسان عدنية نفسها بسلاسة. لاحظ مثلا أنني من الكتاب الذين نادرا ما أوردوا في قصصهم أو رواياتهم أو مقالاتهم ألفاظا غير عربية، العبرية والإنجليزية لا تسيلان على لساني أو لسان من أتعامل معهم".
يقودني هذا النقاش إلى موازنة كتابة عدنية بكتابة غيرها من الكتاب الفلسطينيين الذين طعّموا أدبهم بألفاظ عبرية أو استعاروا من الثقافة العبرية التوراتية، وذكرتُ بعض الأسماء، وأعد ذلك خطراً يمس أمننا اللغوي والثقافي، وهنا في هذه المسألة يكون للدكتور عادل رأي آخر مختلف: "هي [أي الكاتبة] غير محمود درويش وإميل حبيبي وسميح القاسم وسلمان ناطور وتوفيق زياد، كأنها لم تتمكن من العربية".
أحاول أن أفسّر ذلك، فعدنية من ذلك الجيل الذي ولد بعد النكبة، وقد شهد الواقع اللغوي في فلسطين المحتلة عام 1948م تحولات كبيرة، فالكاتبة من مواليد عام 1974، وتدرّس في برلين منذ 2011، ويبدو أنها لم تنخرط انخراطا كبيرا في مجتمعها العربي أو ما يستدعيه من الاختلاط في الوسط اليهودي، وعليه فإن الدكتور عادل يرجّح أن عدنية "كانت تكتب عن تجربتها الشخصية وهي تكتب عن الطالبة في "تمويه". كما يبيّن الدكتور عادل أن تأثر درويش كان بالتوارة لأنه قرأها، كما أن درويشاً لم يورد في ما كتبه مفردات عبرية كونه يكتب شعرا، واللغة في الشعر هي لغة الشاعر بعد أن تمر في "نهر ليثي"، ليس كما هو الحال في الرواية التي تفترض التعدد اللساني، كما فعل مثلا عزمي بشارة من خلال التعبير على لسان عمر؛ بطل روايته "حب في منطقة الظل" واستخدم عدة لغات (العبرية والإنجليزية والألمانية).
هذا حال العبرية ومآلها في الرواية، وثمة لغات أخرى ظهر لها بعض الملامح في الرواية، فالعبرية واحدة من الإشكاليات النصية، لكن الرواية أيضا وحسب حديث الكاتبة عن لغة روايتها في تلك الحلقة التلفزيونية يبدو أنها تتقن اللغة الإنجليزية ودرست اللغة الكورية وتعرف كيفية بناء الجملة فيها، على الرغم من أن الدكتور عادل يصف بنية الجملة السردية في الرواية بقوله: "بنية جملتها هي البنية التي تعلمناها ونحن نتعلم قواعد اللغة الانجليزية في المدارس". بمعنى آخر أنها أيضاً تكتب اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، وهذا يعني أن لا لغة صافية أو أصلية لدى عدنية شبلي، ما يؤشر إلى ظاهرة لغوية فريدة في الرواية تشير إلى "اللغة الهجينة" التي تم تلقيحها بمصادر متعددة، لتكتسب من الكل آثاراً دون أن يكون لها سمت خاص تتميز به، ما يكسب الرواية غربة مضاعفة عن القارئ العربي والقارئ الأجنبي على حد سواء. وهذا تفسير خاصّ، ولا أدري أيوافقني عليه الدكتور عادل أم لا؟ ولعله قصد مجرد الملاحظة الشكلية في تشابه بنية الجملة فقط، لا مستوى إتقان اللغة نفسها، ولكن- وهذا سؤال هامشيّ- هل نتعلم اللغة الإنجليزية ونستعملها في التعليم في مدارسنا كما يتعلمها أهلها ويستعملونها في مدارسهم؟
يلاحظ الدكتور عادل أن عدنية متأثرة بـ (كافكا) و(بيتر فايس)، وبناء على قراءة الأسطة لهما باللغة الألمانية يرى أولا أنها "في أسلوبها تقلد روائيين غربيين ليس أكثر، وبالتالي تتصنع الكتابة" كما أن "عدنية تحاول أن تكتب على غرارهما. الأول عالم كابوسي، والثاني يغرق في الوصف. الأول [تأخذ منه] عدم تحديد ملامح خاصة للشخصيات. الطالب الأسير. عامل النظافة. العاطل عن العمل. المتدرب وهكذا بخصوص الطالبة... ولكن أكثر ما يلفت انتباهي بنية الجملة الأقرب إلى الإنجليزية، يبدو أنها كتبتها بالإنجليزية وترجمتها".
نعود إلى مسألة الكتابة باللغة الثانية، وكيفية بناء النص حسب قواعدها الأصلية ومنطقها، على الرغم- كما ذكرت في الفقرة السابقة- من إنه لا لغة أصلية لعدنية شبلي، إنما- كما يبدو من حديث الدكتور الأسطة- يعتبر اللغة الإنجليزية هي لغة الكاتبة الأصلية على الأقل في هذه الرواية؛ لأن لغة الرواية الأصلية هي اللغة الإنجليزية حسب ما يرجّح، لا لغة الكاتبة بشكل عام، لأن الجملة العربية مكتوبة حسب النظام اللغوي للجملة في اللغة الإنجليزية، فعدنية- كما لاحظ الدكتور- لا تتقن العربية وإن ادّعت أنها تعشق العربية ومبهورة بها، فهي تفكر بالإنجليزية لتكتب باللغة العربية، وهذا ما أكده مرة أخرى من تجربته الشخصية خلال دراسته في ألمانيا، فيذكر هذه الحادثة: "أنا مررت بالتجربة نفسها في ألمانيا. كنت أكتب الألمانية بأسلوب عربي، ولاحظتْ أستاذتي هذا وقالت لي وأنا أترجم مقاطع لنجيب محفوظ: إنك تكتب الألمانية بأسلوب عربي، وعندما كنت في بعض المحاضرات ألقي بحثا كان الطلاب يضحكون على لهجتي/ لكنتي". إذاً عدنية شبلي وقعت في هذا الفخ ما بين التفكير بلغة لتكتب بلغة أخرى، وهذه ملاحظة دقيقة ومهمة، وتنسحب أيضاً على من يتحدثون بالعبرية وهم يتلفّظون بها كما يتلفّظون العربية، كما هي الإشكالية الأساسية في الرواية، ألا وهي لكنة العربي عندما يتحدث العبرية.
ألم تكن تعرف عدنية اللغة العربية حقاً؟ يبدو أن حظها قليل من اللغة العربية، فثمة ما يشير إلى ذلك، وحسب ما أورد الدكتور فإن "بنية الجملة عندها ليست بنية الجملة العربية. تقول إنها تعرف الكورية، وأرادت أن تكتب ببنية لغوية بعيدة عن اللغة العربية. انتبه إلى حديثها عن الجملة في اللغة الكورية [في حوارها مع نجوى]، فاللغة هذه التي كتبت بها غريبة عن أذن القارئ العربي ولهذا تساءلت إن كانت تكتب بالإنجليزية ثم تترجم إلى العربية. وهي تصنع الجملة صناعة أو أنها تكتب بالإنجليزية أو الألمانية وتترجم إلى العربيةأنا شعرت أنني أقرأ رواية مترجمة. تقول إنها تعرف العربية والصحيح أن بعض الأمثلة التي أوردتها في منشوري تدحض رأيها".
ويتابع الدكتور الأسطة شواهده على لغة عدنية مؤكداً أنها لا تعرف العربية معرفة أصيلة كمن عُجِن بتلك اللغة معانيَ وأساليبَ، وغُذِّيَ بها حتى صارت جزءا من تكوينه الثقافي واللغوي وتفكيره، فقد لاحظ مثلا أن عدنية تعامل الأفعى على أنها مذكر، واللغة العربية تعتبرها مؤنثة. "ولكنها في الإنجليزية محايد (it) وهي لم تلتفت إلى هذا وعليه فقس". كما يورد في منشوره ذاك أمثلة لتلك الجمل المعرّبة عن النمط الإنجليزي، كما أنّ نجوى بركات تفعل الشيء نفسه وتشير إلى هذه الغربة اللغوية عن القارئ، ولا أجد ضرورة لأزيد من تلك الاقتباسات، فمن سيقرأ الرواية وعنده خبرة بالأسلوب العربي سيدرك ذلك تمام الإدراك.
أعتقد أن تأملات الدكتور عادل الأسطة حول الرواية أسهمت في الكشف عن جوانب لغوية متعددة- لن ينتبه لها كثيرون- حول هذه الرواية التي جاءت مثالاً جيداً على هذا الالتباس اللغوي وغير المستقر، وما تطرحه من إشكاليات حول اللغات الأساسية فيها: العربية والعبرية والإنجليزية، ما يجعلها رواية خصبة في مجالات دراستها كونها مفتوحة على حقول دراسية متعددة.

