44338

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 187

 

بقلم اسماعين تماووست 
نعم، لقد خضت الكثير من المخاطر، وواجهت مواقف عصيبة كانت على وشك أن تودي بحياتي غير مرّة.

كنت قلقًا، يثقلني الخوف أحيانًا، لكنني كنت دائمًا أسرع إلى الدفاع عن الآخرين، أولئك الآخرين الذين لم يكونوا سوى نحن أنفسنا، وعائلاتنا الصغيرة، ثم عائلتنا الكبرى: كل الجزائريات والجزائريين، الأوفياء لأمهم الوحيدة، وطننا المقدس، وللدين العظيم الذي يجمعنا، القرآن الكريم المجيد.

لقد كان خطرًا هائلًا أن يغامر موظف من موظفي الأمن الوطني بنفسه طوعًا، متجاوزًا بعض القواعد الصارمة بدافع الواجب الوطني. ومع ذلك، كنت أعتبر الأمر قناعة روحية عميقة، تغذّت بداخلي يومًا بعد يوم.

كانت تلك القناعة نابعة من إيماني بالوطن، ومن قوة زملائي الذين رافقوني في أصعب المهمات، المهمات التي كانت تتطلب منا الجرأة والإبداع، وأحيانًا قسوة لا بدّ منها.
وبفضل إخلاصنا وتضحياتنا في المعارك ضد المجرمين، استطعنا أن نحقق نجاحات عديدة. نفذنا عمليات كبيرة لصالح المديرية العامة للأمن الوطني، عمليات اعترفت بها حتى الأجهزة السرية الأخرى، بل وتيقّنت أن وحدتنا كانت صمام الأمان، الضامن الحقيقي للأمن لا في الجزائر فقط، بل في العالم بأسره،  فقد كانت حربنا مع الإرهاب معركة ذات صدى يتجاوز حدود الوطن.
كان من المنطقي أن يجسد كل شرطي القيم النبيلة التي بُني عليها هذا السلك: الواجب المهني، الشرف، الكرامة، والشجاعة. هذه الفضائل كانت بالنسبة إلينا تاجًا من نور يرفع رؤوسنا عاليًا، ويجعلنا دائمًا بين المدافعين الشجعان عن القضايا العادلة.

لقد كنّا نحمل قلوبًا من فولاذ، وضمائر من نور، نؤمن أن الدفاع عن الوطن أعظم عبادة، وأن الصبر في مواجهة الألم شرف لا يُضاهى.
أما رجال الشرطة الذين بذلوا حياتهم في ساحات القتال ضد أعداء الجزائر، فقد كانوا شهادة حيّة، تاريخًا يمشي على الأرض. هم الذين قدّموا أرواحهم قرابين للأمن، وكتبوا بدمائهم صفحات مشرقة من الشرف.

لقد جسّدوا معاني التضحية بأجمل صورها، وأثبتوا أن الأمن الوطني لم يكن مجرد جهاز، بل مؤسسة تحمل روح الأمة وكرامتها. كانت بطولاتهم ترتقي بمكانة سلك الشرطة إلى أسمى درجات التضحية والعدالة.
غير أن فقدان الشجاعة في مواجهة أعدائنا الأشد خطورة، أو التراجع عن أداء الواجب بجرأة وإقدام، كان بمثابة خسارة لا تُعوض،  ذلك أن نترك الأرض لذئاب ضارية لا تعرف رحمة، وأن نسمح للباطل أن يعلو فوق الحق. ولذا، أدركنا أن التخاذل لم يكن خيارًا، وأن الشجاعة لم تكن مجرد فضيلة، بل كانت قدرًا محتومًا علينا جميعًا، قدرًا حمّلناه بصدق وأمانة، في سبيل وطن لا يقبل الانكسار.
لقد كانت بصيرة رجال الشرطة ، بما يملكون من حنكة وتجربة، تؤكد بوضوح أنّ القضيّة العادلة لا يمكن أن ينتصر لها إلا رجال أنقياء قلوبهم، صادقون في نواياهم، ثابتون في مواقفهم. فالعدالة ليست شعارًا يرفع في الهواء، بل تضحيات ملموسة ودماء طاهرة تسيل لتصون شرف الوطن. والتاريخ نفسه يشهد أنّ أي قضية، مهما سمت مقاصدها، لا تنتصر إلا إذا وجدت رجالاً مستعدين لبذل أرواحهم في سبيلها.
كنت أعلم أن الاستكانة للضعف والتراخي في مواجهة الشرّ، إنما يعني الانكسار والانحدار نحو هاوية الخيانة، لهذا، وكمفتش شرطة ومراقب حيّ للأحداث، كنت أرى كيف كان الإرهاب يزرع الموت في كل شارع وزقاق، وكيف كان يهوى التلذّذ بقتل الأبرياء وتعذيبهم، غير مبالٍ لا بدموع أم ثكلى ولا بصرخات طفل يتيم. كنا شهودًا على انحدار بعض العناصر التي غرّر بها،  فخانوا أمانة الواجب الوطني، وأضاعوا شرف الانتماء.
لقد كان وطني، في تلك الأيام الحالكة، مهدّدًا بالانزلاق إلى حرب داخلية مظلمة، حرب بلا نهاية، حيث ينقلب كل شيء إلى نقيضه: الأحياء إلى مقابر، الأزقة إلى كمائن، والوجوه الباسمة إلى أشباح تطاردها رائحة الدم والدمار. المدن غدت خاوية، قابعة في شبه صمت مرعب، والقرى مسكونة بالخوف الذي ينهش الأرواح صباح مساء. لم يبقَ من صور الجمال سوى أشباح مشوهة، تحيط بها تهديدات يومية تحولت إلى وقائع دموية.
ومع ذلك، لم يكن للباطل أن يستمر. فقد وقف رجال الشرطة وأبطال أجهزة الأمن، أولئك الذين آمنوا بالله ثم بأرضهم وشعبهم، شامخين كالجبال، مضحين بحياتهم، رافعين راية الوطن عاليًا، كي يعلو صوت الجزائر قويًا، عزيزًا، منتصرًا رغم أنف الجبناء. لقد كان النصر ثمرة دماء زكية امتزجت بتراب الوطن، وذكرى خالدة تؤكد أن المجد لا يُنال إلا بالصمود، وأن الكرامة لا تُحفظ إلا بالتضحيات.
لقد كنّا، نحن رجال الشرطة، ندرك خطورة الوضع في تلك المرحلة الدامية، وكنّا نعي أن كل خطوة نخطوها قد تكون الأخيرة في حياتنا. ومع ذلك، لم نكن يومًا نتردد أو نخاف. كنا نُجري اجتماعات قصيرة قبل كل مهمة، نتشاور فيها بسرعة وحزم، لأن أي تهاون كان يعني سقوط ضحايا جدد، وربما انهيار مواقع بأكملها. خصمنا لم يكن عدوًا عاديًا، بل وحشًا يهوى القتل ويبرع في صناعة الموت، كأنّه يستمد شرّه من الشيطان ذاته.
كنا نقف على أهبة الاستعداد، نرسم خططنا بوعي وجرأة، نتحرك ونحن نعلم أنّ أرواحنا على المحك، وأنّ سقوط أحدنا قد يكون سببًا في نجاة العشرات من المواطنين.

ما كان يمدّنا بالقوة هو إيماننا بأنّ حماية الوطن أسمى غاية، وأنّ الشرطي الذي يخاف من الموت لا يستحق أن يحمل شارة الشرف.

في تلك الأجواء المشحونة بالموت والدمار، كان لا بدّ لرجل الشرطة أن يتحلى بخصال عظيمة: الشجاعة، اليقظة، الحكمة، وضبط النفس. كنت أؤمن أنّ هذه القيم ليست اختيارية، بل واجبًا مقدسًا، وأنّ كل من يتراخى في حملها إنما يخون القسم الذي أدّاه أمام الوطن.

وما كان يثير إعجابي في زملائي أنهم كانوا، رغم الخوف الذي يحيط بنا، يواجهون المصير بابتسامة صامدة، كأنهم يسخرون من الموت نفسه.
كنا قلة قليلة، لكننا كنا قوة جبارة، إذ جمعتنا عقيدة واحدة، وإصرار صلب على أن نحيا أو نموت بكرامة. لقد خضنا مغامرات محفوفة بالمخاطر، تغوص في المجهول، نطرق أبواب المجهول بلا تردد.

كنا نعلم أنّ كل طلقة قد تكون الأخيرة، وكل مهمة قد تكون فخًا قاتلًا، ومع ذلك، مضينا، متمسكين بعهدنا: أن لا نترك الوطن يُذل، وأن نُثبت أن الشرطة ليست مجرد جهاز، بل هي روح الشعب المقاتلة، ودرعه المنيع في وجه الخيانة.

يتبع...

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services