2
0
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تحتفي بالذكرى التسعين لصدور جريدة البصائر

أحيت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أمسية اليوم السبت، الذكرى التسعين لتأسيس جريدة البصائر، من خلال تنظيم ندوة علمية ومعرض يوثق جميع اصدارت الجريدة، وذلك بمقر الجمعية، بحضور نخبة من الأئمة والأساتذة.
شروق طالب
جريدة البصائر التي تعتبر أحد الأعمدة الفكرية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يعود تأسيسها إلى تاريخ 27 ديسمبر 1935، في وقت كانت تعاني فيه الجزائر من استعمار بسط نفوذه على الأرض واستهدف في المقام الأول الفكر والدين.
ومن هنا جاء الدور المحوري لجريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان لها الفضل في تثبيت مقومات الهوية العربية الإسلامية للجزائريين، وصد كل المحاولات الصليبية، وهو ما أكده الشيخ البشير الإبراهيمي حين قال "لولا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لكان الجزائريون اليوم لا يتكلمون العربية".
في مستهل الندوة، أكد عبد الحليم قابة، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ان جريدة البصائر كانت ولا تزال صفحات من العطاء، لها قراءها حتى من العالم العربي، نظرا لاحتواءها على أقلام من خيرة العلماء والمفكرين.
كما تحدث قابة عن مسار الجريدة التي واجهت العديد من التحديات، في مقدمتها مضايقات قوات الاستعمار الفرنسي، والتي كانت سببا في غلق عدد من الجرائد التابعة لجمعية العلماء المسلمين قبل البصائر، إلا أن عزيمة القائمين عليها ورسالتهم النبيلة المستمدة من القيم الإسلامية أبت الا أن تستمر، لتصدر اليوم العدد 1300، مواصلة مسيرتها في الإفادة والثقافة والفكر.
تاريخ من الصمود والإبداع الصحفي في ظل الاستعمار

وفي مداخلته، قدم الأستاذ محمد الهادي الحسني قراءة تاريخية وسياقية لتأسيس جريدة البصائر، ممهدا لها بالحديث عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي رافقت نشأتها في ظل الاستعمار الفرنسي، وما صاحب ذلك من تضييق ممنهج على الصحافة الوطنية الجزائرية.
وأوضح المتدخل أن جريدة البصائر واجهت منذ بداياتها صعوبات كبيرة، أبرزها سياسة الإقصاء التي انتهجتها الإدارة الاستعمارية بحق الصحف الجزائرية، حيث حرمت العديد منها من الحفظ والتوثيق داخل الأرشيفات الرسمية، على عكس الجرائد الاستعمارية الفرنسية التي ما تزال أعدادها محفوظة إلى اليوم.
كما أشار إلى أزمة الأرشيف التي تعاني منها البصائر، حيث لم يحفظ منها إلا عدد محدود من الأعداد، وهو ما يُعد تقصيرا تاريخيا في حق الصحافة الوطنية، رغم الدور الكبير الذي لعبته الجريدة في نشر الوعي الديني واللغوي والوطني.
وتطرق الحسني إلى الجهود المالية والتنظيمية التي بذلها رجال الجمعية لضمان استمرار الجريدة، مبرزا مساهمات بعض المحسنين والعلماء الذين تكفلوا بدعمها ماديا في فترات حرجة، إضافة إلى حرص القائمين عليها على جودة المضمون ودقته.
كما استعرض مراحل تطور الجريدة، منذ إشراف الشيخ العربي التبسي والشيخ الطيب العقبي على إدارتها في بداياتها، ثم انتقالها إلى قسنطينة، قبل أن تتوقف مؤقتا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، لتستأنف من جديد سنة 1947.
وأكد المتدخل أن الفترة الممتدة بين 1947 و1953 تُعد العصر الذهبي لجريدة البصائر، لما شهدته من نضج فكري واتساع في التأثير، خاصة مع مساهمات كبار علماء الجمعية، وفي مقدمتهم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذي عرف بدقته الشديدة في مراجعة المقالات وتصحيحها بنفسه، حرصا على سلامة اللغة وعمق الفكرة.
البصائر...مدرسة التميز الصحفي بين الفكر والعلم والسياسة

وإجابةً عن سؤال لماذا تميزت جريدة البصائر عن غيرها من الجرائد، ليس فقط في الجزائر بل حتى في العالم العربي؟
كشف الدكتور مولود عويمر أن جريدة البصائر حظيت بدراسات عربية وأجنبية، من بينها دراسات للمؤرخ الفرنسي شارل روبير أجيرون، الذي صنفها ضمن أحسن الجرائد الجزائرية خلال الفترة الممتدة من 1919 إلى 1954، مقارنة بـ 39 جريدة صدرت آنذاك، فضلا عن كتاب الدكتور محمد ناصر الموسوم بـالصحافة العربية في الجزائر، والذي أحصى ما يقارب 90 جريدة، واحتلت البصائر مكانة متميزة بينها من حيث التأثير والاستمرارية.
وأوضح عويمر أن من أبرز عوامل تميز البصائر انتظامها في الصدور، واعتمادها على أركان ثابتة ومبتكرة، على غرار ركن العلوم والفنون والاختراعات، الذي تكفل بترجمة ونشر دراسات علمية عالمية، وكذا ركن المنبر السياسي، الذي تناول أهم الأحداث السياسية الدولية وشرحها للقارئ الجزائري.
كما تميزت الجريدة بـصرامة تحريرية عالية، تمثلت في التدقيق الشديد في المقالات ومراجعتها وتصحيحها قبل النشر، بفضل أقلامها العلمية والفكرية معروفة، من أبرزها فرحات بن الدراجي، عبد الحميد بن باديس، الطيب العقبي، وعبد الرحمن شيبان.
إضافة إلى ذلك، عالجت الجريدة موضوعات متنوعة تواكب تطور العصر، مثل ركن نفحات من الشعر الجزائري الحديث، واستباقها لموضوعات علمية وفكرية مهمة، على غرار مقالات "كروية الأرض من مظاهر إعجاز القرآن"، و"هل في كوكب المريخ حياة حيوانية؟"
كما أشار عويمر ان البصائر كانت من أوائل الجرائد التي نشرت فن الحوار الصحفي، حيث خصصت ركنًا للحوار مع شخصيات مختلفة، إلى جانب نشر البورتريهات، وهو أسلوب جديد آنذاك، فضلا عن اعتمادها على الرسومات والصور التوضيحية والخرائط، التي كانت ترفق بالمقالات لإثراء المضمون وتبسيط الفكرة للقارئ.
دور البصائر في دعم القضية الفلسطينية من خلال مقالات تحليلة

وتمحورت مداخلة الشيخ يحيى صاري حول دور جريدة البصائر في دعم القضية الفلسطينية وكشف أبعاد الخطر الصهيوني، مبرزا ما يميزها عن غيرها من الصحف في تلك الفترة.
وأوضح أن العديد من الجرائد كانت تقتصر على نقل الأخبار والوقائع والحوادث، بينما كانت جريدة البصائر تقدم تحليلا عميقا للأحداث، وتصف الأسباب والدواء، وتنبه إلى الآفاق المستقبلية، وتضع منظومة فكرية واضحة للدارس ليتابع القضية الفلسطينية من جميع جوانبها.
وأشار الشيخ صاري إلى أن كتاب الجمعية وخصوصا الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، قدموا تحليلات دقيقة حول الخطر الصهيوني، بما في ذلك طبيعة هذا التنظيم أبعاده ومؤامراته، وخلفياته ومآلاته.
وختم الشيخ صاري بأن جريدة البصائر لا تزال تستمر في حمل نفس الرسالة والأفكار التي أسستها الجمعية منذ بداياتها، مؤكدا أهمية هذه المواد الصحفية كمرجع لا غنى عنه لأي باحث يسعى لفهم القضية الفلسطينية ومواقف الجزائر التاريخية تجاهها.

