329
0
إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام العمليات ضد إيران
قراءة في تداعيات قرار مدريد على التحالفات داخل الناتو

بقلم: ضياء الدين سعداوي
في خطوة نادرة بحجمها وتوقيتها، حولت إسبانيا خلافها السياسي مع واشنطن من خلف الكواليس الدبلوماسية إلى واقع قانوني وعسكري ملموس، بإعلانها رسميا إغلاق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. هذا القرار، الذي أكدته وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية (EFE) ورويترز وأسوشيتد برس، ليس مجرد مناورة سياسية ظرفية ، بل هو تحول إستراتيجية تعيد تعريف معنى "السيادة الأوروبية" في لحظة اشتعال إقليمي شامل.
القرار بين الإغلاق الشامل والاستثناءات الإنسانية
وفقًا للتفاصيل التي نشرتها صحيفة إل باييس (El País) الإسبانية، فإن قرار إغلاق المجال الجوي لا يقتصر على الطائرات المتجهة مباشرة إلى إيران، بل يمتد ليشمل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية بمختلف أنواعها — المقاتلات، القاذفات، طائرات التزود بالوقود، وطائرات النقل العسكري — حتى تلك المنطلقة من قواعد في دول ثالثة مثل بريطانيا وفرنسا.
وقد حرصت مدريد على وضع استثناءات تحافظ على صورتها الإنسانية وتجنبها انتقادات القانون الدولي. فبحسب وكالة EFE، يسمح بعبور الطائرات أو هبوطها في الحالات الطارئة أو للأغراض الإنسانية فقط. هذا التصنيف الدقيق يمنح إسبانيا غطاءا قانونياً يمنع وصفها بأنها عرقلت جهود إغاثة محتملة، في الوقت الذي تضع فيه العصي في دواليب الآلة العسكرية الأمريكية.
الموقف الإسباني: سيادة لا تقبل المساومة
لم يأت القرار الإسباني وليد اللحظة. فقد أوضحت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، في تصريحات نقلتها شبكة الجزيرة ووكالة أسوشيتد برس، أن إغلاق المجال الجوي يأتي امتداداً لموقف سابق للحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، تمثل في رفض إستخدام قاعدتي "روتا" و"مورون" العسكريتين لدعم العمليات الهجومية.
و أكدت روبليس على أن إسبانيا "دولة ذات سيادة ولا ترغب في المشاركة في حروب غير قانونية"، في إشارة واضحة إلى رفضها أي عملية عسكرية موسعة ضد إيران لا تحظى بتفويض من الأمم المتحدة أو توافق أوروبي. وأضافت: "لا القواعد مصرح بها، ولا استخدام المجال الجوي الإسباني لأي إجراءات متعلقة بالحرب في إيران".
أما نائب رئيس الوزراء ووزير الإقتصاد كارلوس كويربو، فقد نقلت وكالة شينخوا (Xinhua) الصينية تصريحاً له جاء فيه: "هذا القرار هو جزء من قرار الحكومة الإسبانية بعدم المشاركة أو المساهمة في حرب بدأت بشكل أحادي وتنتهك القانون الدولي". بدوره، قال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، وفقاً لـ وكالة أسوشيتد برس: "لا يمكنك الرد على مخالفة قانونية بأخرى، فهكذا تبدأ كوارث البشرية الكبرى".
تداعيات عسكرية: تعقيد المسارات وإعادة التمركز
من الناحية العسكرية البحتة، يشكل إغلاق المجال الجوي الإسباني ضربة قاسية لسلاسل الإمداد الأمريكية المتجهة إلى الشرق الأوسط. فقاعدتا "مورون" و"روتا" كانتا لعقود بمثابة "الجسر الجوي" الرئيسي الذي تعبر منه الطائرات الأمريكية المتجهة من القواعد الأوروبية إلى مسارح العمليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وذكرت صحيفة إل باييس أن إغلاق المجال الجوي يجبر الطائرات العسكرية على الالتفاف حول إسبانيا في طريقها إلى أهدافها، مما يزيد ساعات الطيران ويستنزف طائرات التزود بالوقود. وأوضحت وكالة EFE أن القرار يؤثر على الطائرات القادمة من قواعد في بريطانيا وفرنسا، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية من طراز B-1 وB-52.
وكشفت وكالة أجربرس (Agerpres) الرومانية، نقلاً عن EFE، أن 15 طائرة أمريكية من طراز KC-135 كانت قد نقلت بالفعل من القواعد الإسبانية إلى قواعد في فرنسا وألمانيا، في مؤشر على أن البنتاغون بدأ بالفعل في إعادة هيكلة مساراته الجوية تحسباً لاستمرار الإغلاق.
التوتر الدبلوماسي: واشنطن بين التهديد والازدراء
لم يمر القرار الإسباني دون رد فعل أمريكي حاد، خاصة في ظل تصعيد سابق من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد ذكرت وكالة أسوشيتد برس (AP) أن ترامب هدد بقطع التجارة مع مدريد بعد رفض إسبانيا استخدام قاعدتي "روتا" و"مورون". وأكدت شبكة الجزيرة أن تهديدات ترامب جاءت بعد حرمان الولايات المتحدة من إستخدام القواعد العسكرية، فيما نقلت صحيفة المراقب (The Guardian) أن التهديد كان بـ"قطع العلاقات التجارية" مع إسبانيا.
لكن التطور اللافت كان في رد البيت الأبيض على قرار إغلاق المجال الجوي نفسه. فنقلت رويترز عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الولايات المتحدة "لا تحتاج إلى مساعدة من إسبانيا أو أي شخص آخر"، في محاولة لتقليل الأهمية الإعلامية للقرار ومنع إنتقال "العدوى" إلى دول أوروبية أخرى.
هذا الرد يمكن تفسيره بطريقتين: إما أنه ازدراء مقصود بهدف تقليص حجم القرار إعلامياً ، أو أنه اعتراف غير مباشر بالتعقيد الذي أحدثه القرار، خاصة أن القواعد الإسبانية لم تكن يوماً مجرد "مساعدة"، بل كانت جزءا من البنية التحتية الحيوية للإنتشار السريع الأمريكي في المنطقة.
أوروبا بين الصدام والتهدئة
أشارت التقارير الدولية إلى أن موقف إسبانيا كان الأكثر جرأة بين الدول الأوروبية، التي فضلت معظمها تجنب المواجهة المباشرة مع إدارة ترامب. وذكرت صحيفة المراقب (The Guardian) أن الدول الأوروبية الأخرى "سارعت إلى تجنب الصدام مع ترامب، بينما اختارت إسبانيا التصعيد".
ونقل موقع tvrinfo أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قال إن بريطانيا "لن تنجر إلى الحرب"، فيما أشارت شبكة الجزيرة إلى أن الإتحاد الأوروبي اكتفى بدعوة غامضة إلى "تهدئة وحماية المدنيين" دون رفض الهجوم على إيران بشكل صريح.
أما وكالة EFE، فقد أكدت أن إسبانيا كانت "أعلى الأصوات المعارضة" في أوروبا، وهو ما يضعها في موقع الريادة الأوروبية في ملف الحرب على إيران، لكنه أيضًا يعزلها داخل حلف الناتو إذا لم تجد دولًا أوروبية أخرى تنضم إلى موقفها.
قراءة في السيناريوهات المقبلة
في ظل هذا التصعيد، يرى مراقبون أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للأيام المقبلة:
الأول، سيناريو التصعيد، حيث قد ترد واشنطن بضغوط إقتصادية فعلية على مدريد، أو بإعادة تمركز قواتها خارج الأراضي الإسبانية بشكل دائم، مما سيؤثر على العلاقات الثنائية لسنوات.
و الثاني، سيناريو التهدئة، أين قد تشهد الأيام المقبلة إتصالات مكثفة غير معلنة تقدم فيها واشنطن ضمانات بعدم توسيع نطاق الحرب مقابل إعادة فتح المجال الجوي بشكل غير معلن.
أما الثالث، و هو سيناريو التمدد الأوروبي، و من المرجح أن تشجع هذه الخطوة دولاً أوروبية أخرى، خاصة في جنوب أوروبا، على إعادة النظر في التسهيلات العسكرية المقدمة للعمليات الهجومية، مما قد يؤدي إلى تشكل تحالف أوروبي معارض للسياسة الأمريكية في المنطقة.
و من هذا المنطلق يجمع المراقبون الدوليون على أن خبر إغلاق إسبانيا مجالها الجوي يمثل منعطفاً في سياسة التحالفات التقليدية داخل حلف الناتو.
فإسبانيا، وفقاً لتحليل صحيفة المراقب، "قدمت نفسها كصوت معارض داخل أوروبا"، بينما اعتبرت شبكة الجزيرة أن القرار "يعكس تصدعا في التحالف الغربي". ما فعلته مدريد يحمل رسالة مزدوجة: لواشنطن مفادها أن "السيادة ليست للبيع"، ولطهران مفادها أن "أوروبا ليست كتلة واحدة في مواجهتك".
لكن المخاطرة الكبرى التي تخوضها مدريد هي أنها حولت نفسها من شريك في التحالف إلى عقبة لوجستية. في عالم العلاقات الدولية، خصوصاً مع إدارة أمريكية معروفة بحملها للملفات الشخصية، قد يكون ثمن هذا القرار باهظاً على المدى القصير. لكن في المدى البعيد، إذا تمكنت إسبانيا من جر الأوروبيين نحو نقاش جاد حول شروط المشاركة في الحروب، فإنها تكون قد رسخت مفهومًا جديداً للسيادة الأوروبية في لحظة تاريخية فارقة.

