25
0
التشاؤم الوجودي بين المعري وشوبنهاور: حكمة الألم

يُعدّ التشاؤم الوجودي من أكثر الاتجاهات الفكرية عمقًا وإثارةً للتأمل، لأنه لا يتوقف عند حدود وصف معاناة الإنسان، بل ينفذ إلى جوهر وجوده، ويسائل معنى الحياة، وحدود الأمل، وحقيقة السعادة، ومصير الكائن البشري في عالمٍ يتنازعه الألم والقلق والعبث.
الحاج بن معمر
وفي هذا الأفق الفكري يلتقي اسمان كبيران، رغم المسافة الزمنية والثقافية بينهما: أبو العلاء المعري، شاعر الفلسفة في التراث العربي، وآرثر شوبنهاور، أحد أبرز منظّري التشاؤم الفلسفي في الفكر الغربي الحديث. شكّل المعري ظاهرة فكرية فريدة في عصره، إذ لم يكن مجرد شاعر بارع، بل عقلًا نقديًا جريئًا أعاد النظر في المسلّمات الأخلاقية والدينية والاجتماعية السائدة.
لقد تبلورت رؤيته التشاؤمية في سياق تجربة إنسانية قاسية، حيث فقد بصره في سن مبكرة، فعاش عزلة قسرية تحولت إلى مختبر داخلي للتأمل في الحياة والموت، والوجود والعدم، والمعنى واللاجدوى.
في نصوصه، تظهر الحياة بوصفها رحلة مثقلة بالألم، وسلسلة من الخيبات المتكررة، ومسارًا مغلقًا لا يفضي إلى خلاص حقيقي. فالإنسان عنده كائن محاصر بالأوهام، محكوم بصراع دائم مع نفسه ومع واقع يتسم بالقسوة واللاعدل، فيما تبدو وعود السعادة مجرد خداع جميل يخفي هشاشة الوجود.
لم يكن تشاؤم المعري مجرد انكسار نفسي أو نزعة سوداوية، بل كان موقفًا أخلاقيًا واعيًا، ينطلق من الرغبة في تعرية الزيف ومساءلة القيم السائدة. فهو لا يهاجم العالم بهدف تدميره، بل يحاكمه بلغة العقل والشك، رافضًا الاستسلام للتقاليد الجاهزة أو اليقينيات السهلة.
وقد رأى في الموت نهايةً رحيمة لمعاناة الإنسان، لا باعتباره فناءً مرعبًا، بل مخرجًا أخيرًا من دائرة الألم والعبث، ونقطة ختام لمسار مثقل بالخيبة.
ومن هنا، ارتبط تشاؤمه بالزهد والتقشف، بوصفهما وسيلتين لتخفيف أذى الحياة والابتعاد عن زيفها. في المقابل، يؤسس شوبنهاور رؤيته التشاؤمية على قاعدة فلسفية أكثر تجريدًا، تتمحور حول مفهوم “الإرادة”، التي يراها قوة عمياء لا تشبع، تدفع الإنسان بلا توقف نحو الرغبة، ثم تتركه أسيرًا للإحباط والمعاناة بعد كل إشباع مؤقت.
فالحياة، في نظره، ليست سوى حركة مستمرة بين الألم الناتج عن الحرمان، والملل الذي يعقب تحقق الرغبات، في دائرة مغلقة لا تنكسر إلا بانطفاء الإرادة نفسها.
ومن هذا المنطلق، يصبح الألم قانونًا كونيًا، لا مجرد حالة فردية عابرة، بل سمة أساسية من سمات الوجود ذاته. يرفض شوبنهاور التفاؤل الساذج الذي يَعِد بالسعادة الدائمة، ويعتبره وهمًا يهرب به الإنسان من مواجهة الحقيقة القاسية.
وقد تأثر في ذلك بالفلسفات الشرقية، خاصة الهندوسية والبوذية، حيث رأى في الزهد، والتأمل، وتخفيف التعلق بالرغبات، سبيلًا لتقليل وطأة المعاناة.
لكنه، رغم ذلك، ظل متشككًا في إمكانية التحرر الكامل من قبضة الإرادة، معتبرًا أن المأساة الوجودية جزء لا ينفصل عن طبيعة الحياة.
وعلى الرغم من اختلاف السياقات الفكرية والثقافية بين المعري وشوبنهاور، فإن ثمة تقاطعًا عميقًا في نظرتهما إلى العالم بوصفه فضاءً مثقلًا بالألم والخيبة.
فكلاهما يشكك في قيمة الحياة كما تُقدَّم في الخطابات المثالية، وينتقد الوعود السهلة بالسعادة والخلاص، ويرفض المصالحة السطحية مع واقع مليء بالتناقضات.
غير أن أدوات التعبير تختلف: فالمعري يوظف الشعر والسخرية واللغة الرمزية لتقويض يقينيات عصره، بينما يبني شوبنهاور نسقًا فلسفيًا متماسكًا يجعل التشاؤم نتيجة منطقية للمعرفة العميقة بطبيعة الوجود.
ويكمن الفرق الجوهري بينهما في تصور الخلاص الممكن من الألم؛ فالمعري يرى في الموت نهاية طبيعية ومريحة لمعاناة الإنسان، ويراه جزءًا من دورة الحياة التي تضع حدًا للعبث والمعاناة، في حين يرى شوبنهاور أن الخلاص لا يتحقق إلا عبر تعليق الإرادة، وتخفيف الرغبات، والانفصال التدريجي عن صخب العالم من خلال الفن والتأمل والزهد الداخلي.
ورغم قتامة رؤيتهما، فإن التشاؤم الوجودي عند المعري وشوبنهاور لا يتحول إلى دعوة للعدمية المطلقة أو الاستسلام، بل يغدو موقفًا معرفيًا عميقًا يهدف إلى تحرير العقل من الأوهام، وتعزيز الوعي النقدي، وإعادة صياغة العلاقة مع الحياة على أسس أكثر صدقًا.
فالألم، في النهاية، لا يصبح مجرد عبء وجودي، بل منطلقًا للتفكير، ومحركًا لمساءلة المعنى، ودافعًا لاكتشاف قدرة الإنسان على الفهم، والنقد، والتجاوز، حتى في مواجهة أكثر الحقائق قسوة.

