65

0

الذهب بين ذروة الصعود ومخاطر التصحيح

بواسطة: بركة نيوز

يشهد الذهب في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخه الحديث، حيث تتقاطع العوامل النقدية والجيوسياسية والاستثمارية في مشهد عالمي يتسم بارتفاع درجة عدم اليقين.

الحاج بن معمر

بعد موجة صعود قوية دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، دخل المعدن النفيس منطقة اختبار حقيقية بين استمرار الزخم الصاعد واحتمال التعرض لتصحيح سعري عميق. هذا التحول لا يمكن قراءته من زاوية فنية ضيقة، بل يتطلب تفكيك البنية الاقتصادية الكلية التي تتحكم في حركة الذهب، وعلى رأسها سياسات البنوك المركزية، تطورات الدولار الأمريكي، ديناميات العرض والطلب المادي، وسلوك المستثمر المؤسسي في بيئة عالمية متغيرة. الذهب، تاريخيًا، لم يكن مجرد سلعة، بل أصل سيادي يعكس مستوى الثقة في النظام النقدي العالمي، وكلما اهتزت هذه الثقة، تعززت مكانته كملاذ آمن ومخزن للقيمة.

أول المحركات الجوهرية في المرحلة الحالية يتمثل في الطلب السيادي المتنامي. خلال السنوات الأخيرة، كثفت بنوك مركزية عدة، خصوصًا في الاقتصادات الصاعدة، من مشترياتها للذهب بهدف تنويع الاحتياطيات وتقليص الاعتماد على الدولار. هذا السلوك يعكس تحولات استراتيجية في بنية النظام المالي الدولي، حيث تسعى دول عديدة إلى تقليل تعرضها لمخاطر العقوبات أو تقلبات السياسة النقدية الأمريكية. وعندما تتحول المشتريات من استثمار مضاربي إلى قرار سيادي طويل الأجل، يصبح أثرها أعمق وأكثر استدامة. فالذهب في هذه الحالة لا يُشترى بهدف البيع السريع، بل يُكدس ضمن احتياطيات رسمية، ما يؤدي إلى تقليص الكميات المتاحة في السوق الحرة ويخلق دعماً هيكليًا للأسعار.

العامل الثاني يرتبط بالتوترات الجيوسياسية التي أعادت إحياء مفهوم "الأصول الدفاعية". فالعالم يعيش على وقع صراعات إقليمية متصاعدة، وتنافس استراتيجي بين قوى كبرى، واصطفافات سياسية تعيد تشكيل موازين القوة.

 

في مثل هذا المناخ، تتزايد شهية المستثمرين نحو الأصول التي لا ترتبط مباشرة بعملة أو حكومة بعينها. الذهب، بصفته أصلاً بلا مخاطرة ائتمانية، يستفيد تلقائيًا من كل موجة قلق سياسي أو عسكري. وكلما اتسعت رقعة التوتر، ارتفعت علاوة المخاطر المضافة إلى سعره. غير أن هذه العلاوة قد تتبخر سريعًا إذا ظهرت بوادر تهدئة دبلوماسية، ما يجعل جزءًا من الصعود هشًا بطبيعته.

من الناحية النقدية، يلعب الدولار الأمريكي دورًا محوريًا في تحديد اتجاه الذهب. العلاقة العكسية التقليدية بينهما تنبع من كون الذهب مسعّرًا بالدولار عالميًا. فعندما يقوى الدولار، تصبح تكلفة شراء الذهب أعلى لحائزي العملات الأخرى، ما يضغط على الطلب ويحد من المكاسب، والعكس صحيح. في الفترة الأخيرة، بدأت مؤشرات على تعافي العملة الأمريكية مدفوعة بتوقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة نسبيًا في الولايات المتحدة مقارنة ببعض الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

 

إذا استمر هذا الزخم، فقد يشكل سقفًا طبيعيًا لأي اندفاع صعودي جديد للذهب. غير أن الصورة ليست ميكانيكية بالكامل، إذ قد يرتفع الذهب أحيانًا بالتوازي مع الدولار في حال تصاعد المخاطر العالمية بشكل حاد، وهو ما يخلق حالة استثنائية من الطلب المزدوج على السيولة والأمان معًا.

أما من زاوية التضخم، فالذهب يحتفظ بسمعته كأداة تحوط تقليدية. صحيح أن معدلات التضخم في بعض الاقتصادات الكبرى أظهرت تباطؤًا نسبيًا، لكن مستويات الأسعار العامة لا تزال مرتفعة مقارنة بمرحلة ما قبل الجائحة. إضافة إلى ذلك، فإن هيكل الاقتصاد العالمي بات أكثر عرضة لصدمات العرض، سواء بسبب النزاعات أو التغيرات المناخية أو التحولات في سلاسل الإمداد. هذا الواقع يغذي قناعة لدى شريحة من المستثمرين بأن التضخم قد يعود في موجات متقطعة، وأن الاحتفاظ بجزء من المحافظ في الذهب يشكل تأمينًا ضد هذا الاحتمال. غير أن فعالية الذهب كتحوط ضد التضخم ليست مطلقة؛ فقد أظهرت فترات تاريخية أن العائد الحقيقي للذهب يتأثر أيضًا بمستوى أسعار الفائدة الحقيقية. فإذا ارتفعت الفائدة الحقيقية، تقل جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، وفي مقدمتها الذهب.

من الناحية الفنية، تشير المؤشرات إلى أن السوق دخل مناطق تشبع شرائي بعد الارتفاعات المتسارعة الأخيرة. هذا لا يعني بالضرورة انقلاب الاتجاه، لكنه يزيد من احتمالية حدوث تصحيح صحي يعيد التوازن بين المشترين والبائعين. التصحيحات في أسواق السلع ليست حدثًا سلبيًا بحد ذاته، بل قد تكون ضرورية لاستدامة الاتجاه العام. غير أن خطورة المرحلة تكمن في أن أي كسر لمستويات دعم رئيسية قد يطلق موجة بيع آلية مدفوعة بأوامر وقف الخسارة، ما يسرع وتيرة الهبوط ويضخم حجمه.

في جانب العرض، لا يمكن إغفال أن إنتاج الذهب العالمي ينمو بوتيرة محدودة نسبيًا، نظرًا لارتفاع تكاليف الاستخراج وتعقيدات الحصول على تراخيص جديدة. كثير من المناجم الكبرى بلغت مراحل نضج متقدمة، فيما تتطلب الاكتشافات الجديدة استثمارات ضخمة ووقتًا طويلًا قبل دخولها حيز الإنتاج. هذا القيد الهيكلي في العرض يمنح الذهب دعماً طويل الأجل، لكنه لا يمنع تقلبات قصيرة ومتوسطة الأجل تحركها التدفقات المالية أكثر من الأساسيات الفيزيائية.

سلوك المستثمر المؤسسي يشكل عاملاً حاسمًا كذلك. الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب شهدت تدفقات متباينة خلال الفترات الماضية، بين دخول قوي وخروج سريع تبعًا لتغير المزاج الاستثماري. في بيئة تتسم بتقلبات مرتفعة، قد تميل المؤسسات إلى تقليص مراكزها لتأمين الأرباح، خصوصًا إذا ظهرت فرص مغرية في أسواق الأسهم أو السندات. ومن هنا، فإن الذهب يتنافس ضمن منظومة أصول واسعة، ولا يتحرك في فراغ. أي تحول في شهية المخاطرة العالمية قد يعيد توزيع السيولة بين الأصول، فيستفيد الذهب حين تسود الحذر، ويتراجع عندما تتجدد الثقة.

عند تقييم السيناريوهات المحتملة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في حركة عرضية ممتدة، حيث تتوازن قوى الدعم والمقاومة ضمن نطاق سعري محدد. هذا السيناريو يعكس حالة ترقب بانتظار محفز جديد، سواء كان سياسيًا أو نقديًا. الثاني هو سيناريو التصحيح الهابط، والذي قد يتحقق إذا استمر الدولار في الصعود وهدأت التوترات الجيوسياسية وتزايدت عمليات جني الأرباح. أما السيناريو الثالث، فهو استئناف الاتجاه الصاعد بدفع من حدث مفاجئ يعيد إشعال المخاوف العالمية أو يغير مسار السياسة النقدية بصورة حادة.

على المستوى الاستراتيجي، يظل الذهب جزءًا مهمًا من أي محفظة متوازنة، لكن توقيت الدخول وحجم الانكشاف يتطلبان إدارة دقيقة للمخاطر. لا يمكن افتراض أن الصعود السابق سيستمر بالوتيرة نفسها، كما لا يمكن تجاهل الأسس الهيكلية التي تدعمه. التحدي الحقيقي أمام المستثمر يتمثل في التمييز بين الضجيج قصير الأجل والتحولات البنيوية طويلة الأجل. وفي عالم تتزايد فيه التقلبات وتتشابك فيه العوامل الاقتصادية والسياسية، سيبقى الذهب مرآة تعكس عمق القلق العالمي ومستوى الثقة في النظام المالي الدولي. وبين موجات التفاؤل والحذر، يظل القرار الاستثماري رهين قراءة متأنية للمعطيات، بعيدًا عن الاندفاع، وقائمًا على فهم أن الذهب، رغم بريقه، ليس معصومًا من دورات الصعود والهبوط التي تحكم كل الأسواق.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services