40
0
المنيعة ترسم ملامح الإدارة الجديدة: رقمنة ميدانية تعيد تشكيل العلاقة مع المواطن

لم تكن التظاهرة التي احتضنتها المنيعة مجرد حملة ظرفية للترويج لخدمات رقمية، بل بدت كإعلان عملي عن دخول الإدارة الجزائرية مرحلة جديدة، تتجاوز فيها منطق المكاتب المغلقة نحو الحضور الميداني والتفاعل المباشر. ما جرى هناك يعكس تحولًا في فلسفة التسيير، حيث لم يعد المواطن هو من يسعى إلى الخدمة، بل أصبحت الخدمة هي من تبحث عنه.
لحسن الهوصاوي
هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن خطاب رسمي متماسك، بل كان نتيجة انسجام واضح بين مختلف الفاعلين في قطاع الضمان الاجتماعي، الذين أجمعوا على أن الرقمنة لم تعد خيارًا إصلاحيًا مؤجلًا، بل ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والاقتصادية. فالتصريحات التي رافقت الحدث كشفت عن انتقال نوعي من مرحلة الترويج للمشاريع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مع التركيز على النجاعة وتقليص آجال معالجة الملفات.
في قلب هذه الديناميكية، برزت المقاربة الميدانية كأحد أهم مرتكزات النجاح. فالتجربة أثبتت أن التحول الرقمي لا يمكن أن يُفرض من خلال المنصات فقط، بل يتطلب احتكاكًا مباشرًا بالمواطنين، وفهمًا دقيقًا لانشغالاتهم اليومية. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل غير كافية دون مرافقة بشرية تضمن حسن استخدامها وتبنيها.
غير أن البعد التقني، على أهميته، لم يكن العنصر الوحيد في معادلة النجاح. فقد برز البعد الاجتماعي كعامل حاسم، خاصة في ما يتعلق بقدرة المواطن على التكيف مع الأدوات الرقمية. فالفجوة لم تعد فقط في توفر التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها وفهمها، وهو ما يضع التكوين والتبسيط في صلب السياسات العمومية. ومن هنا، يصبح نجاح الرقمنة مرتبطًا بمدى قدرة الإدارة على مرافقة المواطن، لا فقط بتوفير الخدمات.
وفي هذا السياق، لعب الإعلام دورًا محوريًا في مرافقة هذا التحول. فلم يعد دوره يقتصر على نقل المعلومة، بل أصبح فاعلًا أساسيًا في تبسيطها وبناء الثقة حولها. فالمحتوى المبسط والواضح يشكل اليوم أحد أهم أدوات إقناع المواطن بالانخراط في المنظومة الرقمية، خاصة في ظل الحذر الذي يرافق عادة أي تغيير في طرق الحصول على الخدمات.
من جهة أخرى، كشفت التجربة عن توجه متقدم نحو رقمنة ذكية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل قطاع. فبدل اعتماد حلول عامة، بدأت المؤسسات في تطوير خدمات رقمية موجهة تستجيب لاحتياجات فئات مهنية محددة، وهو ما يعكس نضجًا في الرؤية وابتعادًا عن المقاربات النمطية.
كما أن الحضور المتكامل لمختلف الهيئات، من صناديق الضمان الاجتماعي إلى مؤسسات التشغيل، أظهر بداية تشكل منظومة رقمية مترابطة، قائمة على التنسيق وتبادل المعطيات. هذا المشهد يؤشر على نهاية مرحلة العمل القطاعي المنعزل، وبداية بناء إدارة موحدة تضع تجربة المستخدم في صلب اهتماماتها.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ما حدث في المنيعة كحدث عابر، بل كتجربة نموذجية تحمل مؤشرات على تحول أعمق في بنية الإدارة الجزائرية. فنجاح الرقمنة لن يُقاس بعدد المنصات أو التطبيقات، بل بمدى قدرة الإدارة على الاقتراب من المواطن، فهم احتياجاته، وإشراكه في صياغة الخدمة العمومية.
إنها بداية مسار جديد، عنوانه إدارة تنزل إلى الميدان، وتستمع قبل أن تقرر، وتُشرك قبل أن تُطبّق.


