30

0

المنيعة في رمضان… معادلة الروح والاستقرار في قلب الجنوب الجزائري

في عمق الجنوب الجزائري، حيث تتقاطع صرامة الجغرافيا مع ثقل الذاكرة الحضارية، ترسم مدينة المنيعة خلال شهر رمضان لوحة اجتماعية متكاملة تتجاوز حدود الشعائر إلى إعادة هندسة العلاقات داخل المجتمع. هنا، لا يُختزل الشهر الفضيل في كونه مناسبة دينية دورية، بل يتحول إلى زمن مرجعي يعيد ترتيب الأولويات ويضبط إيقاع الحياة من الأسرة إلى الفضاء العام.

الهوصاوي لحسن

رمضان في المنيعة ليس طقسًا متكررًا بالصيغة نفسها كل عام، بل هو اختبار اجتماعي متجدد لقدرة المدينة على التوفيق بين ثبات المرجعيات وتغير السياقات، وبين البعد الروحي وإكراهات الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

الدين كآلية ضبط مجتمعي

منذ الأيام الأولى للشهر، يبرز البعد الروحي كعنصر ناظم للحياة اليومية. تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتحول البيوت إلى فضاءات للذكر وتلاوة القرآن، في مشهد يعكس مكانة الدين كمرجعية جامعة. غير أن الأهمية لا تكمن في كثافة الحضور فحسب، بل في الوظيفة التنظيمية لهذا الزخم؛ إذ يشكّل الإيقاع الرمضاني إطارًا يعيد ترتيب العلاقات، ويحدد سلم الأولويات، ويعزز قيم الاحترام والتكافل.

في مجتمع صحراوي محافظ، يؤدي الدين دور الضامن للاستقرار الرمزي، ويعيد سنويًا تثبيت منظومة القيم التي تحكم التفاعل الاجتماعي، من صلة الرحم إلى رعاية الجار وإسناد المحتاج.

المائدة… تضامن بصيغة يومية

المائدة الرمضانية في المنيعة ليست مجرد تقليد غذائي متوارث، بل هي فضاء يعكس اقتصادًا اجتماعيًا قائمًا على التبادل والتآزر. حضور الأطباق التقليدية يترافق مع سلوك تبادل الأطعمة بين الجيران والأقارب، في ممارسة تخفف الأعباء وتعمّق أواصر القرب.

هذا النمط من التضامن غير المعلن يكشف عن شبكة علاقات متينة تستند إلى الثقة والانتماء المشترك، ما يمنح المدينة قدرة على امتصاص الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ويعزز مناعتها في مواجهة التحولات.

موائد الإفطار… كرم منظم

باعتبار المنيعة نقطة عبور على محاور صحراوية مهمة، تكتسب موائد الإفطار الجماعية بعدًا خاصًا. فالمبادرات التضامنية الموجهة لعابري السبيل وسائقي الشاحنات والمسافرين لا تقتصر على توزيع وجبات، بل تُنظم في إطار من التنسيق مع السلطات المحلية، لضمان الانسيابية واحترام شروط السلامة.

في الثقافة الصحراوية، الضيف قيمة قبل أن يكون فردًا عابرًا، وإكرامه واجب أخلاقي متجذر. لذلك تتحول موائد رمضان إلى ممارسة تعكس استمرارية تقليد الكرم، لكن بصيغة أكثر تنظيمًا ووعيًا بمتطلبات العصر.

 

 

الأمن… شرط ازدهار المشهد الرمضاني

اللافت في تجربة المنيعة هو الإدراك بأن الحركية الاجتماعية والروحية تحتاج إلى بيئة آمنة. خلال الشهر الفضيل، تتعزز الإجراءات الميدانية عبر تكثيف الدوريات لكلٍّ من الدرك الوطني والأمن الوطني، وتنظيم حركة المرور، وإطلاق حملات تحسيسية للوقاية من حوادث السير والجريمة.

هذا الحضور لا يُقرأ كإجراء ظرفي، بل كمكوّن أساسي في معادلة الاستقرار والتنمية. فالأمن هنا يشكل قاعدة تُبنى عليها الثقة، وتنشط في ظلها الأسواق والحركية الليلية، بما يمنح المدينة حيوية متوازنة تجمع بين السكينة والانضباط.

بين الأصالة ومتطلبات التحول

رغم تأثيرات الحداثة وتغير أنماط الاستهلاك والتواصل، ما تزال المنيعة تحافظ على خصوصية تجربتها الرمضانية، في تقاطع واضح بين ثبات القيم وتطور الوسائل. إنها تجربة تؤكد أن المجتمعات القوية ليست تلك التي تقاوم التغيير، بل التي توظفه دون أن تفقد مرجعياتها.

في المحصلة، يقدم رمضان في المنيعة نموذجًا لمدينة صحراوية تحوّل الزمن الديني إلى فرصة لتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الاستقرار. صحراء تبدو هادئة في ظاهرها، لكنها في هذا الشهر تنبض بدينامية إنسانية عميقة، تؤكد أن قوة المجتمعات تُقاس بمتانة روابطها وصلابة منظومتها القيمية.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services