5

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 168

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم اسماعين تماووست 

لم تكن العشرية السوداء مجرد فصل عابر في تاريخ الجزائر، بل كانت زلزالًا قلب الموازين، وجرحًا غائرًا في الذاكرة الجماعية. إنها ليست مجرد ذكريات مؤلمة، بل مرحلة كادت أن تعصف بأسس الدولة والمجتمع، مرحلة اختلط فيها الدم بالتراب، وتعالت فيها أصوات الرصاص على أي صوت آخر.

ومع ذلك، لم تكن النهاية. لأن الحياة، بطبيعتها، لا تقف عند المحن، بل تفرض على أبنائها المضي قدمًا، مهما كانت الأعباء ثقيلة والظلال طويلة.

وسط الخراب، نهض الوطن، متكئًا على إرادة شعبه، وعلى أرواح من ضحوا لتبقى الجزائر واقفة. كان الطريق إلى النور وعرًا، مرصوفًا بالخوف والشك، لكنه لم يكن مستحيلًا. تصدعت جدران الرعب شيئًا فشيئًا، وبدأ صوت الأمل يتسلل إلى النفوس التي أنهكتها السنوات العجاف.

كان هناك من آمن بأن الجزائر تستحق فرصة جديدة، وأن الجراح، مهما كانت عميقة، يمكن أن تلتئم.

لم يكن الخروج من العتمة مجرد قرار سياسي أو مسارًا حكوميًا، بل كان اختبارًا وجوديًا للجزائر: هل يمكن لبلدٍ أن ينهض بعد أن اقترب من الهاوية؟ الإجابة لم تأتِ في ليلة وضحاها، لكنها تجلّت في إرادة الجزائريين أنفسهم. الإصلاحات السياسية، المصالحة الوطنية، والبناء الاقتصادي كانت محطات مفصلية في رحلة التعافي. لكنها لم تكن مجرد سياسات على الورق، بل كانت صرخة مجتمع أراد أن يعيش، أن يحلم، أن يطمح لمستقبل مختلف.

في الأحياء التي كانت مسرحًا للعنف، عادت الحياة تدريجيًا، وفتحت المدارس أبوابها للأطفال الذين وُلدوا في زمن الدم والنار، وعادت العائلات إلى ممارسة طقوسها اليومية التي سُرقت منها لسنوات.

لكن النهوض لم يكن سهلًا. كيف يمكن لأم فقدت ابنها أن تتجاوز الألم؟ كيف يمكن لطفل كبر على أخبار القتل أن يؤمن بالمستقبل؟ كيف يمكن لشابٍ ترعرع في خوف أن يصدق أن الغد سيكون أفضل؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد نظريات، بل كانت واقعًا يعيشه الجزائريون يومًا بعد يوم.

لقد كانت المصالحة الوطنية حجر الأساس في استعادة التوازن. لم يكن الأمر سهلًا، فالغفران يتطلب شجاعة، والمضي قدمًا يحتاج إلى قوة تتجاوز الألم الشخصي. اختارت الجزائر ألا تكون رهينة ماضيها، بل أن تتعلم منه، أن تحفظ ذكرى الشهداء دون أن تجعلها قيدًا يعيق تقدمها.

لكن، هل انتهت الرحلة؟ هل يمكن لأمة أن تتجاوز ماضيها دون أن تحمله في طياتها؟ لا شك أن الندوب باقية، تذكر الجميع بثمن الأمن والاستقرار. ومع ذلك، فإن الجزائر اليوم ليست تلك الجزائر التي نزفت في التسعينيات. إنها جزائر تبحث عن مستقبلها، تتعثر أحيانًا، لكنها ترفض السقوط.

لم تكن السنوات الماضية مجرد استعادة للحياة، بل كانت إعادة تعريف للهوية الوطنية، إعادة بناء للثقة بين المواطن والدولة، وبين الجزائري ونفسه. لقد أدرك الجميع أن الاستقرار ليس أمرًا مُسلّمًا به، بل هو ثمنٌ يجب أن يُحفظ. لم يعد الأمن مجرد غياب للعنف، بل أصبح مساحة تسمح بالحلم، بالتطور، بالعيش بكرامة.

اليوم، بعد عقود من الألم، تقف الجزائر أمام تحديات جديدة، اقتصادية واجتماعية وسياسية. لكن الفرق بين الماضي والحاضر هو أن الجزائر، برغم كل شيء، باتت تدرك أنها قادرة على الصمود، على تجاوز العواصف، وعلى بناء مستقبلها بيد أبنائها.

"الطريق إلى النور" ليس شعارًا، بل مسيرة مستمرة، يكتبها كل من يختار البناء بدل الهدم، والتسامح بدل الانتقام، والعمل بدل الاستسلام. إنه وعدٌ للأجيال القادمة، بأن الشمس، مهما طال الغروب، تشرق دائمًا.

لكنّ الطريق إلى النور لا يكتمل دون مواجهة الحقيقة، ودون الغوص في أعماق الذات الجماعية لاستخلاص الدروس. لقد تعلّمت الجزائر، من رماد العشرية، أن الخوف لا يحمي، وأن الصمت لا يضمن السلام، وأن العدالة هي حجر الزاوية في أي مشروع وطني صادق.

في قلب التجربة الجزائرية، برز سؤال جوهري: كيف نروي الحكاية دون أن نحرفها؟ كيف نوثّق الألم دون أن نغذّي الحقد؟ هنا، تلعب الذاكرة دورًا محوريًا، لا لتأبيد الكارثة، بل لتحصين الوعي، حتى لا يُلدغ الوطن من الجرح ذاته مرتين.

كنا من أوائل من آمنوا أن توثيق الحقائق جزء من العدالة. احتفظ بسجلاته، بشهادات الناس، بأسماء الشهداء والمفقودين، لا لينتقم، بل ليضمن ألا تُمحى الحقيقة. كان يؤمن أن العدالة تبدأ من القلم قبل البندقية، ومن الصدق قبل القانون.

سرد الحقيقة، بوجوهها المتعددة، لا يعني نكء الجراح، بل هو فعل شفاء. ففي الاعتراف قوة، وفي التوثيق نجاة من النسيان الذي قد يُغري بتكرار المأساة. من هنا، جاءت مبادرات التوثيق، وكتابة الشهادات، واستحضار ما جرى، لا كتاريخ فقط، بل كنداء للمستقبل.

لكن ليست الذاكرة وحدها كافية. فالمستقبل يُبنى حين تتحول التجربة إلى وعي، وحين تُترجم الدروس إلى سياسات تنموية، وتربوية، وثقافية تضمن عدم الانزلاق مجددًا إلى حافة الانهيار. فلا يمكن لبلدٍ أن ينهض إن لم يعالج الجذور العميقة التي سمحت للفوضى أن تتسلل إلى كيانه.

إن الأوطان التي لا تخجل من مواجهة ماضيها، هي فقط القادرة على صناعة مستقبل يليق بأبنائها. لهذا، فإن من واجب المثقف، والإعلامي، والسياسي، بل حتى المواطن البسيط، أن يظل يقظًا، يحمل في وعيه تلك المرحلة لا ككابوس، بل كمرآة تُضيء المسار.

فالتحديات الجديدة التي تواجه الجزائر اليوم، من بطالة، وفساد، ولامساواة، ليست بعيدة عن تلك التي مهدت لعقد الظلام. ومتى ما تكرّرت تلك الشروط، فإن الشر يعود في لبوس جديد، أكثر خداعًا، وأكثر قدرة على التسلل.

كنا تذكر زملائنا بأن دورهم لم يعد أمنيًا فحسب، بل أخلاقيًا وتربويًا. كان يقول: "إن لم نحمِ العقول، سنعود إلى حماية الجثث." لهذا، كان حضوره في المدارس والندوات، وفي القرى المنسية، دليلًا على وعيه بأن أمن الوطن لا يُبنى بالرصاص وحده، بل بالفكر، بالحوار، وبالعدالة الاجتماعية.

الجزائر اليوم، وهي تستعد لكتابة فصول جديدة من تاريخها، مطالبة بتجديد تعاقدها مع المواطن، بإرساء قواعد دولة العدل والقانون، وبفتح المجال أمام الطاقات الشابة التي لم تعش سنوات الدم، لكنها تحمل آثارها في عيون آبائها وأمهاتهم.

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يهمس دائمًا لمن يصغي. وها هو الوطن يمنحنا فرصة نادرة: أن نبني على الألم جسرًا نحو الأمل، وأن نعيد تعريف الانتماء ليصبح مشاركة لا تبعية، ومساءلة لا تبرير، وأملًا لا خوفًا.

إن بناء وطن لا يتوقف عند إسكات البنادق، بل عند رفع الصوت بالعقل، وبالضمير، وبالحق في الاختلاف دون خوف. الوطن لا يُبنى بشعارات جوفاء، بل بمدارس تُخرّج أحرارًا، ومؤسسات تخدم المواطن لا تحكمه، وإعلام يُنير لا يُضلل.

لقد دفعنا الثمن غاليًا، وها نحن نملك شهادة الحياة. فهل نجرؤ اليوم على صناعة الغد بشجاعة لا تقل عن شجاعة النجاة من الأمس؟ هل نمنح الأجيال القادمة وطنًا لا تهاب فيه الحلم؟

"الطريق إلى النور" لا يزال متواصلًا، ما دام هناك من يؤمن، مثلي انا  المفتش إسماعيل و كل من كان معي وغيرنا  في مسيرة ضد الضلام، أن الحقيقة وحدها هي من تنقذ الأوطان.

كما قال نيتشه: "من يملك سببًا للعيش، يستطيع تحمّل كلّ شيء." ونحن، نملك السبب: الجزائر.

 

يتبع...

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services