86318
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر...الحلقة 190

بقلم اسماعين تماووست
كان اختيارنا لمواصلة البحث في تلك الأمكنة النائية يشبه، في كثير من جوانبه، ما كان يفعله عدونا.
رغم أنّهم مجرمون لا يعرفون منطقًا سوى منطق الغدر، أدركنا بعمق أنّ السبيل لمطاردتهم يقتضي أن نسلك الدروب ذاتها التي قد يسلكونها، وأن نُحدد طرق التقدّم التي تضمن لنا بلوغ الهدف المنشود، ذلك الهدف الذي طال انتظاره.
غير أنّ الأمر لم يكن هيّنًا، بل كان عسيرًا ومؤلمًا أحيانًا، بسبب كثافة الغطاء النباتي الذي كان يملأ المكان: شجيرات كثيفة، وأحراش ملتفّة، وأعشاب برية متشابكة، بعضها يحمل أشواكًا جارحة تُعيق كل خطوة إلى الأمام.
لم يكن المشهد يقتصر على هذا فحسب، بل أضيفت إليه وعورة الجبال، بما فيها من منحدرات حادة ومرتفعات شاهقة، تقف على حافة هوّاتٍ سحيقة، تُهدّد في كل لحظة بجرّنا إلى هاوية قاتلة. لقد كانت كلّ خطوة مغامرة، وكل تقدّم مخاطرة محسوبة قد تنتهي إلى مأساة، ومع ذلك، كنّا نؤمن أنّ خبرتنا الميدانية، وتجربتنا المتراكمة، تقودنا إلى الخيار الأمثل، مهما بدا قاسيًا أو محفوفًا بالخطر. كان هذا هو السبيل الأرجح للوصول إلى خاتمة منقذة، خاتمة تتيح لنا أن نضع حدًا لغضب أولئك المتطرفين الذين فقدوا كل صلة بالإنسانية.
لقد شكّل هؤلاء المتعصبون، في تلك الفترة الحرجة من تاريخ وطننا، تهديدًا حقيقيًا لمصيره وأمنه، فضلاً عن أنّ فكرهم المنحرف كان يتنافى مع جميع الأديان السماوية والفلسفات العقلانية، ويُعدّ خطرًا داهمًا على البشرية بأسرها. فهم لم يكونوا سوى تجسيدٍ للفكر الظلامي، الذي يحوّل صاحبه إلى أداة قتل عمياء. ومع ذلك، كان لزامًا علينا أن ندرك أنّ الأوضاع الميدانية لا تبقى على حالها، بل تتغير باستمرار، غير أنّ هذه التغيرات لم تكن دائمًا إيجابية، بل كثيرًا ما حملت معها خيبات وتأخيرات فادحة، عمّقت من قلقنا وأثقلت صدورنا بالهموم.
لقد كان ذلك التأخير مصدرًا دائمًا للتوتر والقلق، وألقى بظلالٍ قاتمة على معنوياتنا، فسبّب لنا ضغوطًا نفسية هائلة، ومع ذلك، لم يكن أمامنا سوى أن نتعامل مع هذه الضغوط برباطة جأش وصبرٍ طويل، لأنّ الاستسلام لها كان يعني الهزيمة قبل أن تبدأ المعركة.
كنا نعرف أنّ بعض المهام الميدانية أثقل من غيرها، وأشد وطأة على النفس والجسد. وكان عملنا من هذا النوع بلا شك، عملًا لا يترك لصاحبه فرصة للراحة ولا مهربًا من مواجهة المخاطر.
ومن هنا، أدركنا أنّ السيطرة على القلق، وإدارة الضغط النفسي بحكمة وشجاعة، لم تكن مجرد خيار، بل ضرورة وجودية. فقد كان النجاح في هذه المعركة مرهونًا بقدرتنا على الحفاظ على صفاء عقولنا وثبات إرادتنا، حتى نواصل السير في درب طويل، مظلم، لكنه الدرب الوحيد المؤدي إلى النصر و حماية الوطن من براثن الظلام.
كان مستوى التوتر، في جوهره، انعكاسًا لطريقة نظرنا إلى المواقف المقلقة، وللقدرة الفعلية التي نملكها لمواجهتها، وكنتُ أدرك تمام الإدراك أن معيار قوة رجل الشرطة لا يقاس بغياب الخوف من قلبه، بل بقدرته على ترويض ذلك الخوف، وتحويله من عائق إلى دافع، لذلك كان لزامًا عليّ أن أواجه الضغط بوجه ثابت، وأن أتمسك بأقصى درجات السيطرة على النفس، مع محاولة البحث دائمًا عن الطريقة الأجدر لفهم الموقف ومنحه معنى لا يفتك بروحي.
ففي مواجهة التوتر، كنت أرى أن هناك استجابتين أساسيتين لا غنى عنهما: الأولى فورية، آنية، تُمليها سرعة الأحداث وإكراهات الميدان، والثانية أعمق وأبطأ، تُبنى على مدى أطول، لتصير درعًا نفسيًا يحمينا من الانكسار مع مرور الوقت.
التوتر الذي أثقل زملائي وأثقلني لم يكن غريبًا عن وضعنا؛ كان أشبه برد فعل طبيعي أفرزته ظروف استثنائية حاصرتنا من كل الجهات، كنا في فضاء خالٍ من المعالم، في عالم مجهول الملامح، عدائي بقدر ما هو موحش. ومع ذلك، وسط كل تلك الفوضى، كنت أتمسك بيقين ثابت: إن الاستسلام لسطوة التوتر لا مكان له في قاموسي. كان التوتر يطرق أبوابي نادرًا، وحتى عندما يتسلل إليّ، كنت أجيد دومًا تطويعه وإخضاعه لقوانين الانضباط.
كلما شعرت بثقل الضغوط يتراكم على كاهلي، كنت أعود إلى صلب المهمة، فالعمل مهما بدا مرهقًا يبقى قابلاً للإدارة متى ما جرى تفكيكه إلى مهام صغيرة، وخُضعت كل خطوة للصرامة واليقظة، لكني لم أغفل ضغطًا آخر كان يحيط بي كطوق خفيّ: ضغط رؤسائي. توقعاتهم كانت جسيمة، ولم يتوانوا عن دفعـي دومًا إلى الأمام.
لم يمنحوني مساحة لالتقاط أنفاسي، لكنهم في المقابل لم يسعوا لإغراقي؛ كانوا يريدونني في أقصى طاقتي، أن أُظهر ما أستطيع تحقيقه من نتائج ملموسة.
أما فريقي، فقد كان سندي الحقيقي، لقد برهنوا على كفاءة عالية وإخلاص لا يعرف المساومة، كان العمل معهم امتيازًا وشرفًا في آن واحد. لم يكونوا مجرد زملاء شرطة، بل كانوا أصدقاء، إخوة سلاح توحدنا نفس العزيمة ونفس الأخطار، وعلى الرغم من الإرهاق والضغوط التي كانت تعصف بهم، كنت أعلم أنهم يتطلعون إليّ، يطلبون مني الثبات حتى يستمدوا منه صلابتهم.
هكذا، حتى عندما كنا في قلب العاصفة، تمسكتُ برباطة جأش لا تلين، لم يكن الأمر مجرد شرط لإنجاز مهامي، بل واجبًا أخلاقيًا أعتبره جزءًا من هويتي: أن أرفع معنويات رجالي، أن أُريهم أن السيطرة ليست وهمًا، وأن بالإرادة يمكنهم عبور المستحيل.
فالمفتش لا يُعرف فقط بسلطته أو بزِيّه، بل بتلك القوة الخفية التي تُلهم رجاله على الصمود، وتُعلّمهم أن الطريق، وإن كان معبّدًا بالخوف، يمكن أن يُقطع بثبات وعزيمة.
"الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على المضي قدمًا رغم حضوره.
كنتُ دائمًا ميّالًا إلى مواجهة التحديات بجرأة لا تخلو من المخاطرة، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بمهامي المهنية. لم أكن أقبل الاستسلام أمام الصعاب، بل كنت أتقدّم نحوها بخطوات ثابتة، كجندي يعرف أن التراجع ليس خيارًا.
كان هذا السلوك، رغم ما يحمله من مجازفة، وسيلة فعّالة لغرس معاني الواجب والانضباط في نفوس رفاقي، ولغرس فيهم حسًّا عميقًا بالوطنية، وطنية خالصة لا تعرف المساومة.غير أنني، وسط زخم الأحداث، كنت أميل إلى العزلة بين الحين والآخر. عزلة ضرورية، أفرضها على نفسي عن وعي، لأتفرغ للتأمل ولإعادة ترتيب أولوياتي. كنت أختار الليل ملاذًا، حيث يسود السكون وتخفت الأصوات، فلا يبقى سوى نبضات قلبي ترسم إيقاع التفكير. هناك، في عتمة الساعات الأخيرة، كنت أرسم خططي بعناية، وأضع تصوراتي لمراحل المهمات القادمة، كقائد يوزّع جنوده على رقعة شطرنج قاتلة.
كنتُ أملك القدرة على ضبط نفسي، فلا أترك الانفعال يقودني، بل أُخضعه دومًا لصرامة العقل، لأنني كنت أعي جيّدًا أنّ المرحلة التي نمر بها خطيرة، وأنه لا مجال للتهاون.
كان أمامي هدف واحد لا غير: الإرهاب. ذلك الوباء الأسود الذي لوّث سماء الوطن وزرع الخوف في قلوب الأبريا، أن ألاحقه بلا هوادة، حتى القضاء عليه واجتثاث جذوره، كي تعود الطمأنينة إلى كل شبر من تراب البلاد.
كنت أشعر بالرضا عن مساري، عن ذلك الجهد الذي أبذله في صمت. ومع ذلك، كنت أدرك أن الكفاءة لا تتوقف عند حدود ما أملكه، وأن عليّ أن أطور مهاراتي باستمرار.
كنت أعرف تمامًا من أين أستمد المعلومة، ولمن ألجأ حين تدعو الحاجة، ولكنني لم أكن أستعين بأحد إلا إذا استنفدت كل طاقتي وبذلت كل ما في وسعي.
وفي لحظات الخلوة، كنت أغوص في عوالم التأمل، أترك الأفكار تتزاحم داخلي كما لو كانت أرواحًا تطرق باب الذاكرة. كانت تلك اللحظات بمثابة ملاذ للروح، أجد فيها ما يشبه الصفاء، بل وما يشبه اليقين.
فقد أيقنت أنّ المشاعر العميقة قادرة على أن تهزّ أرواحنا أكثر من أي سلاح، وأن الفكرة حين تومض فجأة في وعينا، تحمل في طياتها قبسًا من حقيقة كبرى، حقيقة قادرة على أن تنير الطريق وسط العتمة، وتحوّل القلق إلى بصيرة، والخوف إلى قوّة دافعة.
كنت أعرف أنّ هذه التأملات لم تكن ترفًا روحيًا، بل جزءًا من معركتي الصامتة، فالمفتش الذي يواجه الموت كل يوم، عليه أن يتسلّح بالعقل كما يتسلّح بالشجاعة. كنتُ أعيش بين هذين الحدّين: صرامة الميدان، وعمق الفلسفة. وكلاهما كان سلاحي في مواجهة زمنٍ لم يرحم أحدًا.
يتبع..

